السلام عليكم
في المبحث الثالث
يزداد العمق والربط بين العلامات الصغرى وعلامة الدخان
ويكشف اللغز الذي حير كل أصحاب منتديات الفتن
هنا نحتاج مزيد من التأمل لنكون على دراية في كيفة تحولنا من العلامات الصغرى إلى الكبرى
وكيف يمكن تصور الاحداث
مع العلم البحث عمره ثماني سنوات
أترككم الان للتفكروا من خلال هذا المبحث
وليجيب على كثير من الأسئلة التي أرهقت الكثيرين
ويجيييييييييييييييييب على كثير من الرؤى
علامات أخرى يحتمل أن تكون
مترتبة على وقوع حدث كوني
هذه بعض العلامات المستقبلية التي لم يتم تحديد المراد بزمن وقوعها ، ولكن يتوقع أن يكون لها علاقة بالحدث الكوني ؛ خاصة أنها تتضمن قرائن عدة تعزز من كونها واقعة بعد أمر عظيم أو تغيرات غير معهودة بالكرة الأرضية .
العلامة الأولى : عودة الغطاء النباتي الكثيف لجزيرة العرب .
/ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ : } لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ وَيَفِيضَ حَتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا مِنْهُ وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا{ ([1])
أقول :
هذا الحديث فيه إشارة واضحة إلى تغيرات طبيعية جوهرية في الكرة الأرضية ،يترتب عليها تغير مناخ الأرض بشكل كلي ؛ إذ لا يتصور وفق فهمنا تصور تحول جزيرة العرب إلى مروج تجري بينها الأنهار إلا إذا كان هناك تغير جذري في المناخ ، والأمر وفق المعطيات المعاصرة غير مستبعد .
كذلك الحديث فيه دلالة على أن الجزيرة العربية في العصور الساحقة كانت مروجاً وأنهاراً ، وقرينة ذلك استخدام لفظة » تعود « الدالة على رجوع الشيء إلى سابق عهده الذي كان عليه ، ويعزز ذلك المعنى ما وجد في جزيرة العرب من بحيرات بترولية تحته ، والتي يرى العلماء أنها تكونت بسبب تحول مواد عضوية لحيوانات ونباتات مما يشير إلى وجودها بكثرة في ذلك المكان في الماضي .
ولفظة تعود تشير إلى ما ذكرت ، ولو كان المعنى غير ذلك لاستخدم النبي r كلمة تتحول الدالة على تغير شيء عن سابق عهده .
ورأيت لبعض الشراح خاصة المعاصرين من يرى أن هذه العلامة يراد بها ما نراه من كثرة الآبار ومن العمران الموجود في الجزيرة ، ويتعسف القول بتحليلات لا تسلم منها إسقاط الحديث على محاولات حكومات الجزيرة العربية لتحويل مجرى نهري من العراق أو غيرها أو جر جبل جليدي إلى الجزيرة العربية ..إلخ
والملاحظ أن هذه التحليلات متعسفة ، والحديث نفسه يتضمن قرينة مانعة من الأخذ بها ؛ إذ يتصور نتيجة لجر جبل جليدي أو تغير مجرى نهر أن تكون بعض المروج مع بعض الجداول في بعض المناطق ، لكن الحديث أشار إلى تحول أرض العرب بأكملها إلى مروج وأنهار (_ ) ، وهذا السياق لا يتفق مع تلك التحليلات ، والذي حمل البعض عليها هو صعوبة تصورهم لأمر ألفوا غيره ؛ وهو تلك الصحراء القاحلة كيف تتحول إلى بساتين وأنهار .
وفي تصوري أن ما ألفه الإنسان من ثبات نسبي في المناخ والطبيعة ليس على إطلاقه ، وتاريخ الكرة الأرضية يشهد لتغيرات جوهرية وقعت بها فمن عصر جاف إلى عصر مطير إلى عصر جليدي ، وهذه التغيرات غير بعيدة عن الكرة الأرضية .
وأي تحول في مسار الكرة الأرضية ، أو انحراف مغناطيسي لها ، كفيل بإذابة القطبين ، وتغيير المدارات وخطوط العرض ، ومثل هذا التغير ليس مستبعداً ، فالأمر كله بيد الله سبحانه وتعالى ، وما ألفه الإنسان لا يبقى على حاله ، و التنبؤات العلمية الصادرة هنا وهناك لعلماء فلك أو مناخ أو طبيعة ، يتصورون مثل هذا الأمر .
وجه علاقة هذه العلامة بآية الدخان والحدث الكوني المترتب عليها :
الحديث يشير إلى تغير غير معهود أو حتى غير متصور في ظل منظومة السنن الكونية الحالية ، لكنه يتصور حال تغير هذه المنظومة ، وتغير المنظومة كاملة لا بد أن يكون نتيجة لحدث جلل يعصف بالكرة الأرضية ويؤثر عليها على وجه العموم ، وهذا يبرز لنا وجه العلاقة بين هذه العلامة وبين الحدث الكوني ، حيث إن ضرب كسف للأرض كفيل بتغيير كل القوانين التي تحكم مناخها ، بما يترتب عليه تغير جذري في كل ما نعهده الآن ، و دخول الأرض في دورة مناخية جديدة لها سننها المغايرة عما سبق الحدث، ومن هذه التغيرات المترتبة على منظومة السنن الجديدة ما يقع للجزيرة العربية من عودة مناخها القديم المطير، وما يترتب على ذلك من جريان الأنهار وانتشار الغطاء النباتي
العلامة الثانية والثالثة : فناء كبير يعقبه اضطراب جيولوجي في صفائح الأرض .
/ - عن عبد الله بن حوالة t قال : قال لي رسول الله r : } يَا ابْنَ حَوَالَةَ إِذَا رَأَيْتَ الْخِلَافَةَ قَدْ نَزَلَتْ أَرْضَ الْمُقَدَّسَةِ فَقَدْ دَنَتِ الزَّلَازِلُ وَالْبَلَابِلُ وَالْأُمُورُ الْعِظَامُ وَالسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنَ النَّاسِ مِنْ يَدِي هَذِهِ مِنْ رَأْسِكَ . { ([2])
/- عن سَلَمَةُ بْنُ نُفَيْلٍ السَّكُونِيُّ قَالَ : قال رسول الله r : }.. بَلْ تَلْبَثُونَ حَتَّى تَقُولُوا مَتَى ؟ وَسَتَأْتُونَ أَفْنَادًا يُفْنِي بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَبَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ مُوتَانٌ شَدِيدٌ وَبَعْدَهُ سَنَوَاتُ الزَّلَازِلِ . { ([3])
شرح :
هذا الحديثان يشيران إلى علامتين قد يكون لهما علاقة بنزول كسف من السماء ، وهما :
العلامة الأولى : الموت الشديد :
الحديث فيه إشارة إلى حصول موت شديد في الأرض ، وقد عبر عنه الحديث بعبارة الموتان (_ ) الشديد بين يدي الساعة ، وهذا الوصف يتناسب مع ما ذكره علماء الفلك من توقعاتهم أن الساعات أو الأيام الأولى من نزول نيزك يترتب عليه موت ملايين البشر ، ثم يعقب ذلك أوبئة وقحط ومجاعة تأكل العدد الأكبر من البشرية ، وهذه الأوصاف تتفق من حيث المحصلة مع قول النبي r موتان شديد .
وهذا الموتان هو غير الموتان الذي جاء ذكره في حديث سابق ذكرته في الفصل الأول من الكتاب ؛ لأن الموتان السابق لم يوصف بكونه شديداً ، و صيغة الحديث السابق أنه خاص بأمة محمد r أو بالصحابة من الأمة على وجه الخصوص ، ومن أوصافه أنه يأخذهم كقعاص الغنم مما يشير إلى أنه وباء ، وقد سبق اعتباره دالاً على طاعون عمواس .
أما الموتان هنا ، فهو بين يدي الساعة ، وهو عام ، لا يخص أمة محمد r ، وشديد يهلك بسببه جمع عظيم ، و ارتبط بعلامة بعده مباشرة ، وهي سنوات الزلازل
وقد يكون هذا الفناء أو الموت هو الذي ورد ذكره في حديث أَبِي ذَرٍّ t حيث قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : } كَيْفَ أَنْتَ يَا أَبَا ذَرٍّ وَمَوْتًا يُصِيبُ النَّاسَ حَتَّى يُقَوَّمَ الْبَيْتُ بِالْوَصِيفِ يَعْنِي الْقَبْرَ قُلْتُ : مَا خَارَ اللَّهُ لِي وَرَسُولُهُ أَوْ قَالَ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ : تَصَبَّرْ قَالَ : كَيْفَ أَنْتَ وَجُوعًا يُصِيبُ النَّاسَ حَتَّى تَأْتِيَ مَسْجِدَكَ فَلَا تَسْتَطِيعَ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى فِرَاشِكَ وَلَا تَسْتَطِيعَ أَنْ تَقُومَ مِنْ فِرَاشِكَ إِلَى مَسْجِدِكَ . قَالَ : قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ أَوْ مَا خَارَ اللَّهُ لِي وَرَسُولُهُ قَالَ عَلَيْكَ بِالْعِفَّةِ .. . { ([4])
فالأثر السابق يشير إلى موت وبائي واسع يصيب أكثر الناس لدرجة أن البيوت يصبح لا قيمة لها لقلة ساكنيها فيشترى العبد بثمن البيت ، والمعلوم أن ثمن أي بيت أغلى بكثير من ثمن العبد ، وهذه حالة استثنائية تتغير فيها الأحوال وتكثر فيها البيوت الخاوية من أهلها بسبب هذا الموت بحيث لا يصبح لها قيمة لدرجة أن ثمن العبد يوازيها لأن نفعه في تلك المرحلة يكون أكثر من نفع تلك البيوت ، وهذا إشارة إلى تفشي الموت وكثرته ، وكثرة من يصاب به ، والتعبير في النص بأن الموت يصيب الناس قد يفيد العموم (_ ) ؛ أي كل الناس : عربهم وعجمهم ، مسلمهم وكافرهم .
كذلك نلحظ أن العلامة الثانية تشير إلى جوع شديد يصيب الناس لدرجة يمنع الناس من الحركة القليلة لشدة الجهد وهوان الجسم بسببه ، وقد يكون هناك رابط بين الجوع الشديد المذكور في هذا الحديث ، وبين القحط العظيم الذي ذكره النبي r في أحاديث أخرى سبق أن شرحتها في المبحث السابق .
ودلائل بعض روايات الحديث تشير إلى أن أهل المدينة المنورة سيصيبهم من هذا الجوع والموت ، وهذا الحدث بهذا التوصيف غير المعهود لم يقع بعد ، ولم تعهد مثله المدينة المنورة ، أو غيرها بنفس الوصف ، فلعله المقصود بحديث الموتان الشديد وبحديث القحط الشديد والسنة يفسر بعضها بعضاً .
العلامة الثانية : سنوات الزلازل .
- هذه العلامة تتعلق مباشرة بأمرين : الأول : الموتان الشديد ؛ حيث تكون بعده مباشرة ، والثاني نزول الخلافة بيت المقدس ،حيث تكون إما مواكبة لها أو قبلها بقليل كما صرحت بعض الآثار أو خلالها كما صرح الحديث السابق ، وخلافة بيت المقدس لها علاقة بالعالمية الثانية للإسلام في عهد المهدي t .
- المراد بسنوات الزلازل ، سنوات معينة تضطرب بها الأرض بصورة ملحوظة ، بحيث يصدق عليها هذا الوصف ، وهذه السنوات لم تأت بعد ، وفيها إشارة إلى اضطراب غير معهود في الكرة الأرضية ، وليس كما يدعي البعض من أننا نعيش الآن زلازل عدة يصدق فيها هذه العلامة ؛ لأن ما نعيشه ، وما عاشه أسلافنا في السابق من زلازل هي حالة طبيعية في الكرة الأرضية ، لا يصدق فيها القول أنها غير معهودة ، وطبعاً حديثي من اعتبار الزلازل حالة طبيعة لا يعني نفي كونها رجفات عذاب ، إنما قصدي أن هذه الظاهرة في عصرنا لم تأخذ شكلاً غير معهود يصدق فيه الوصف بأنها سنوات زلازل .
والمعنى الطبيعي المتبادر لنا من قول الرسول r هو أن هناك سنوات مخصوصة تكون الأرض فيها غير مستقرة بأهلها ؛ بحيث يكثر اهتزازها ، و تزلزلها بشكل غير معهود ، والسؤال الذي يطرح هنا : ما هو الحدث الذي سيؤثر على الكرة الأرضية أو صفائحها الصخرية .
- الملاحظ من الحديث الأول أن هناك علاقة بين الزلازل والأمور العظام ، وبين نزول الخلافة بيت المقدس ، وفي الأحاديث السابقة كان هناك ربط بين خروج المهدي وعلامة في السماء ، مما يشير إلى أن هناك علاقة بين الأمور الثلاثة السابقة ، ويكون الترتيب ، نزول كسف من السماء يخل بجيولوجيا الأرض ويؤثر على صفائحها الصخرية ، موتان عظيم ، تغير في حال البشرية وموازين القوى ، انتشار القحط والهرج ، خروج المهدي ، نزول الخلافة بيت المقدس ، تزلزل الأرض واضطرابها ويعزز ما ذكرت هذا الشاهد عن أي سعيد الخدري t قال : قال رسول الله r : } أُبَشِّرُكُمْ بِالْمَهْدِىِّ يُبْعَثُ فِي أُمَّتِي عَلَى اخْتِلَافٍ مِنَ النَّاسِ وَزَلَازِلَ فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا . { ([5])
فهذا الأثر يعزز ما ذكرت في الربط بين الزلازل وبين خروج المهدي ، ويكون المراد بنزول الخلافة بيت المقدس في سنوات الزلازل ما يكون في عهده t ، أما الاختلاف بين الناس فله علاقة بعلامة الهرج السابق بيانها والتي يشتد أوارها عند حسر الفرات .
العلامة الرابعة : تقارب الزمان .
/ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : } لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ فَتَكُونَ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ وَيَكُونَ الشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ وَتَكُونَ الْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ وَيَكُونَ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ وَتَكُونَ السَّاعَةُ كَاحْتِرَاقِ السَّعَفَةِ الْخُوصَةُ . { ([6])
هذه العلامة سبق شرحها ، وخلصت هناك إلى نتيجة ، وهي أن تقارب الزمان على حقيقته ، وليس مجازياً (_ ) ، مما يشير إشارة صريحة إلى أن هناك اضطراباً ملحوظاً سيطرأ على حركة الكرة الأرضية ، ويسرع فيها حالة الدوران .
و وفق مستجدات العلم يمكن تصور ذلك في حال اضطراب حركة الأرض حول نفسها وحول الشمس ، وهذا الاضطراب غير متزن أي لا يكون على نسق واحد ، فتسرع الأرض في دورانها حول نفسها ، وتسرع أيضا في دورانها حول الشمس ، فبدلاً من أن تدور الكرة الأرضية حول الشمس ،مرة كل اثنا عشر شهراً ، تقضي هذه المسافة في شهر واحد .
وفي ظني أن النبي r ذكر هذه النسب للتقريب وليس للتحديد ؛ أي أراد النبي r أن يبين للصحابة تغير النسب الزمنية للوقت ، فجاء بمثال يقرب المعنى ، حيث قـال
السنة كالشهر والشهر كالأسبوع ..إلخ
وإذا ربطنا هذه العلامة بما يقع في زمن الدجال ؛حيث يكون يومه الأول كسنة ويومه الثاني كشهر أصبح عندنا تصور إلى أن آخر مراحل اضطراب الكرة الأرضية يكون في عهد الدجال ؛ أي أن الكرة الأرضية في بادئ الأمر ونتيجة لأمر كوني تسرع في دورانها حول نفسها وفي دورانها حول الشمس ، ثم تأخذ بالبطء في دورانها حول نفسها ، فتكمل دورتها الأولى في سنة كاملة (__) ، و دورتها الثانية في شهر ، ثم تبدأ في العودة التدريجية لوضعها الطبيعي ، وتبدأ بالاتزان .
علاقة تقارب الزمان بالحدث الكوني .
الحقيقة أنه ليست لدي قرائن قوية تبرز طبيعة المرحلة الزمنية لهذه العلامة ؛ إلا أن هناك قرائن محتملة تعزز من ارتباط هذه العلامة بحقبة الحدث الكوني ، لعل أهم هذه القرائن هي طبيعة هذه العلامة ؛ حيث إن لها علاقة بتغير جوهري بحركة الأرض ، وهذا لا يتصور إلا إذا كان هناك حدث عظيم جوهري أثر فيها .
والقرينة الثانية هي أن هذه العلامة تشير إلى تقارب الزمان ، وفي مرحلة الدجال أشار النبي r على تباعد الزمان ، وتضمن الحديث الخاص بذلك عن الدجال على قرائن تؤكد على أن تباعد الزمان على حقيقته ، والمعلوم أن آية الدخان وآية الدجال من الآيات العشر والعلامات العظام ، وقد سبق بيان التلازم بينهما ؛ حيث وصلت إلى نتيجة وهي أن الدجال يكون بعد آية الدخان ، والمعلوم أن أول مرحلة الدجال تتميز بتباعد الزمان مما يشير إلى أن هناك اضطراباً في حركة الأرض ، وهذا يعزز أن يكون قبل خروج الدجال تقارب الزمان لنفس السبب الذي أثر على حركة الأرض .
العلامة الخامسة : حسر الفرات عن جبل من ذهب :
/ - عن الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ قَالَ : كُنْتُ وَاقِفًا مَعَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَقَالَ : لَا يَزَالُ النَّاسُ مُخْتَلِفَةً أَعْنَاقُهُمْ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا قُلْتُ : أَجَلْ ! قَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ : } يُوشِكُ الْفُرَاتُ أَنْ يَحْسِرَ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ ، فَإِذَا سَمِعَ بِهِ النَّاسُ سَارُوا إِلَيْهِ فَيَقُولُ مَنْ عِنْدَهُ : لَئِنْ تَرَكْنَا النَّاسَ يَأْخُذُونَ مِنْهُ لَيُذْهَبَنَّ بِهِ كُلِّهِ . قَالَ : فَيَقْتَتِلُونَ عَلَيْهِ فَيُقْتَلُ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ .{([7])
/ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ : } لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسِرَ الْفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ يَقْتَتِلُ النَّاسُ عَلَيْهِ فَيُقْتَلُ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ وَيَقُولُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ لَعَلِّي أَكُونُ أَنَا الَّذِي أَنْجُو{ ([8])
/ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ : } يُوشِكُ الْفُرَاتُ أَنْ يَحْسِرَ عَنْ كَنْزٍ مِنْ ذَهَبٍ فَمَنْ حَضَرَهُ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا { ([9])
شرح :
أولاً : المعنى العام المتبادر لحسر الفرات :
- الفرات نهر معروف في العراق ، وهذا النهر له نصيب في علامة من العلامات الهامة للساعة ، وكما بين الحديث أن الفرات سينحسر ماؤه ، و الحسر في أصل اللغة الانكشاف ، وإذا استخدم مع الماء أو البحر يراد به أن الماء نضب حتى بدا ما تحته من الأرض . ([10])
أما كلمة جبل فهي في لغة العرب اسم لكل وتد من أوتاد الأرض عظم وطال
من الأعلام أما ما صغر وانفرد فهو من الأكم والقور . ([11])
يُفهم من معنى كلمتي الحسر والجبل وفق السياق أمران :
الأمر الأول :
الفرات ، هذا النهر العظيم سينضب ماؤه بصورة غير معهودة لدرجة أن الطين يبدو في قاعه (_ ) ، أو يكاد أن يبدو فيظهر للناس بعد انكشاف الماء كنز كبير جداً من الذهب وصفه النبي r بالجبل من باب الكناية الدالة على كثرته ، ومن معاني مادة جبل الكثرة ، وبالتالي تكون لفظة جبل هنا من باب المعنى المجازي ،ولا يراد بها جبل حقيقي يبرز له قمة وارتفاع على وجه الأرض .
الأمر الثاني :
يراد بالحسر هنا المعنى الأصلي وهو الانكشاف ، وليس نضوب الماء ، بل الذي يحصل هو تحرك في طبقات الأرض يترتب عليها بروز جبل عظيم من الذهب في وسط ماء الفرات ، وهذا الوجه من الفهم يتفق والمعنى الحقيقي لكلمة الحسر والجبل .
وكلا المعنيين السابقين يحتمله سياق الحديث ، ولكل قرائن دالة عليه .
ثانياً : آراء المعاصرين في حسر الفرات.
اختلفت تصورات المحدثين في المراد بالجبل والمقصود بالحسر ، أبينها في التالي :
1- المراد بجبل الذهب البترول :
يرى بعض المعاصرين أن جبل الذهب يراد به البترول ، ومقصود الحديث وفق تصورهم أن الفرات يكشف عن بحيرة عظيمة من البترول ، وهذا احتمال بعيد جداً
للأسباب التالية :
أ- لفظة جبل الدالة على كنز الفرات لا يتناسب استخدامها للدلالة على مادة سائلة كالبترول حتى من الناحية المجازية ، والأولى منها كلمة بحر ، أو بحيرة .
ب- سياق الحديث الذي استخدم لفظة الانحسار للنهر تشير إلى أن هناك علاقة بين
نضوب الماء وانكشاف جبل الذهب ، وهذا السياق لا يتناسب وطبيعة اكتشاف البترول الذي يمكن معرفته والتنقيب عنه في أعماق البحار ، فلا تحتاج معرفته واكتشافه نضوب الماء وانحساره .
ت- الواقع يشهد لضعف هذا الاحتمال ، فسياق الحديث يشير إلى كنز عظيم يتبدى في نهر الفرات يقتتل عليه الناس مما يعزز خصوصية هذا الكنز في هذا المكان من ناحية ، ومن ناحية أخرى دلالة السياق تشير إلى عدم وجود كنوز شبيهة به في أماكن أخرى وإلا لما اجتمع الناس عليه بخصوصه ، أما البترول فقد تم اكتشافه في أماكن عدة وبكميات كبيرة في الجزيرة العربية والعراق ، وبالتالي اكتشافه في نهر الفرات لا يعطيه خصوصية مميزة مهيجة للاقتتال عليه .
ث- دلائل السياق تشير إلى مرحلة مغايرة لما نحن عليه الآن ، فعصرنا تنوعت فيه الكنوز وأهمها البترول الذي يكنى بالذهب الأسود ؛ لذا وجود جبل من ذهب مهما كان حجمه في عصرنا لا يعتبر اكتشافاً مميزاً ، فاكتشافه أشبه بعصرنا باكتشاف حقل بترول في موضع ما ؛ لذا أتصور أن مرحلة ظهور جبل الذهب سيكون في مرحلة يعز فيها الذهب ، ويقل المال ؛ بحيث يكون ظهوره مهيجاً لمقتلة عظيمة بين الناس ، ولعله يكون في مرحلة شدة وقحط ونضوب في الخيرات .
ج- سياق الحديث يشير إلى أن كل واحد يستطيع أن يأخذ منه ، وذلك في قول الرسول r : » فَمَنْ حَضَرَهُ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا « فكل فرد يحضر عند هذا الكنز يستطيع أن يأخذ منه ، وهذا متصور في الذهب الحقيقي ، أما في البترول فالأمر صعب إذ إخراجه بما يحقق الانتفاع منه يحتاج إلى دول وشركات ضخمة ، وهذه قرينة قوية صارفة .
2- المقصود بحسر الفرات :
يحاول بعض المعاصرين إسقاط هذا الحديث على عصرنا مبيناً أن انحسار الفرات قد بدأ في عصرنا من خلال بناء السدود عليه في تركيا مما يقلل وصول الماء في مجراه في العراق ، ويظن أن الأمر إن زاد عما هو عليه فسيترتب عليه انحسار الفرات . ([12])
وفي ظني أن هذا تعسف في حمل الحديث على غير محمله ، فالسدود لن تمنع الماء بالكلية ، وإن كانت تقلل منه ، ودلالة سياق الحديث تشير إلى نضوب ملحوظ في نهر الفرات لدرجة أن الطين ينكشف من تحت الماء ، وهذا غير ملاحظ في زماننا ، وغير متصور بفعل السدود في المستقبل القريب .
ثالثاً : تصور الباحث للمراد بحسر الفرات وطبيعة جبل الذهب وزمانه .
في ظني أن حسر الفرات يكون في مرحلة لاحقة تغيب فيها العقول ويكثر الهرج ، وينتشر القحط ويقل المطر ، وهي نفس المرحلة التي سبق الحديث عنها بعد آية الدخان مباشرة ، وقبل خروج المهدي والدجال بعده ، فالمعلوم أن من علامات خروج الدجال كما بينت الأحاديث السابقة نزف الأنهار أي نضوب مائها ، فهذه المرحلة تتناسب مع مسألة حسر الفرات ، فإذا كانت الأنهار على وجه العموم قد نضب ماؤها ، فكذلك الفرات ، ولكنه يتميز عن غيره بأنه لحظة انحساره يكشف عن جبل من ذهب .
ويحتمل الأمر أيضاً كما بينت سابقاً بأنه تضطرب الصفائح الأرضية وتحصل إنكسارات فيها بعد سقوط الكسف فهي سنوات الزلازل وسنوات تزول فيها جبال عن مراتبها ، فيكون من نتائج ذلك بروز جبل حقيقي في ماء الفرات ، ويكون هذا الجبل من الذهب ، ويحتمل أن تتوافق هذه الانكسارات مع نضوب الماء ، والأمر كله بيد الله سبحانه وتعالى يصرفه كيفما يشاء
والاحتمال الأخير وارد جدا ، وبروزه بهذا الشكل على وجه الماء يكون أكثر تهييجاً للمقتلة العظيمة التي تحصل عنده .
ما علاقة حسر الفرات بالحدث الكوني ؟
قد يتساءل البعض قائلاً : أليس من التعسف هنا ربط حسر الفرات بآية الدخان ونزول كسف من السماء ، خاصة أنه لم يرد في سياق الأحاديث الدالة على حسر الفرات أي قرينة تربط بين الأمرين ، فما هو مستندك في الربط بين الأمرين ؟
نعم هذا تساؤل قد يطرح ، وله وجاهته ، لكن طرحه متصور إذا نُظر إلى حسر الفرات كعلامة جزئية بمعزل عن باقي العلامات ، أما إذا نُظر إلى مجموع الأدلة وسياقها ، فقد تظهر لنا قرائن عدة تعزز الربط بين كل هذه الأحداث ؛ لذا أرى أن أسوق هنا بعض القرائن المعززة لما ذكرت ، وهي لا ترتقي بعملية الربط لدرجة الجزم بها ، إنما تدخل المسألة في حيز الاحتمال الراجح في ظني .
القرينة الأولى :
من نظر إلى سياق الحديث يجد أنه لا يصدق على عصرنا ، وليس قريباً من معطيات العصر وأنظمته ، فسياق الحديث يشير إلى ظهور جبل من ذهب يقتتل عليه الناس ؛ أي ظهوره ليس في عهد الدول التي نعيشها ، بل في مرحلة فوضوية ، يملك فيها كل إنسان أن يأتي الجبل ويأخذ منه ، أما في عرف الدول الحالية فإن اكتشاف أي كنز أو معدن يترتب عليه تأميم الدولة لهذا الكنز وحراسته ، واستخراجه ، والوضع الطبيعي في عرف الدول عند اكتشاف أي معدن أن عيون الناس لا تطمع حتى في التفكير به ، وهذا أمر معلوم .
وهذا العرف الدولي المعاصر لا يتناسب وسياق الحديث الذي يشير إلى مرحلة فوضوية ، يتصور فيها كل إنسان أنه يملك أن ينفرد بهذا الكنز ، أو ينال منه النصيب الأكبر ، وهذه القرينة معززة لكون حسر الفرات لن يكون في ظل الأعراف الدولية المعاصرة ، بل ستكون هناك حالة استثنائية فوضوية تمر بها البلاد على وجه العموم .
القرينة الثانية :
حسر الفرات بهذا الشكل الذي يشير إليه الحديث لم يعهد في الفرات على مر الدهور ، فهو نهر أصيل جاري طول العام ، وماؤه في الغالب غزير ، و الحديث يشير إلى نضوبه ؛ إذا لا بد من تغير مناخي جوهري يؤثر به ، ولاحظنا خلال البحث أن هناك قرائن عدة تربط بين ثلاثة أمور وهي القحط وآية الدخان وخروج الدجال ، وهذه المرحلة من القحط مناسبة لوقوع هذا النزف أو النضوب في ماء الفرات ، وتتفق مع المرحلة الفوضوية الممهدة لخروج الدجال .
القرينة الثالثة :
جاء في حديث أبي هريرة السابق و المتفق عليه أن الفرات يحسر عن كنز بدل جبل ، وورد في رواية عن ابن ماجة الربط بين الاقتتال على كنز وبين خروج المهدي ، فعن ثوبان t قال : قال رسول الله r : } يَقْتَتِلُ عِنْدَ كَنْزِكُمْ ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمُ ابْنُ خَلِيفَةٍ ثُمَّ لَا يَصِيرُ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، ثُمَّ تَطْلُعُ الرَّايَاتُ السُّودُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ فَيَقْتُلُونَكُمْ قَتْلًا لَمْ يُقْتَلْهُ قَوْمٌ ، ثُمَّ ذَكَرَ شَيْئًا لَا أَحْفَظُهُ فَقَالَ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَبَايِعُوهُ وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الثَّلْجِ فَإِنَّهُ خَلِيفَةُ اللَّهِ الْمَهْدِيُّ . { ([13])
فسياق الحديث السابق يشير إلى أن الاقتتال على كنز ما ممهد لخروج المهدي ، وقد جاء التعبير النبوي بصيغة الإضافة الدالة على العهد » كنزكم « ؛ أي هذا الكنز المعهود لديكم والذي سبق إخباركم عنه .
وخلال تتبعي لعلامات الساعة لم أجد تصريحاً نبوياً عن كنز يقتتل عليه إلا كنز الفرات ، أمـا كنز الكعـبة فالذي يستخرجه هو ذو السويقتين الحبشي الذي يهدم الكعبة .
يفهم مما سبق أن الاحتمال قوي في كون الكنز المشار إليه هو كنز الفرات نفسه ، وإذا كان كذلك فيمكننا اعتبار الحديث قرينة قوية في تحديد زمن حسر الفرات
وهو عند ظهور المهدي ، والذي يكون أيضاً قبل خروج الدجال .
وقد أشار ابن حجر إلى هذا الاحتمال بعد ذكره للحديث حيث قال : » فهذا إن كان المراد بالكنز فيه – أي في حديث ابن ماجة – هو الكنز الذي في حديث الباب - أي كنز الفرات - دل عـلى أنه إنما يقـع عنـد ظهور المهدي ، وذلك قبل نزول عيسى r. « ([14])
القرينة الرابعة :
/ - عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ t قال : } كُنَّا قُعُودًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ r فَذَكَرَ الْفِتَنَ فَأَكْثَرَ فِي ذِكْرِهَا حَتَّى ذَكَرَ فِتْنَةَ الْأَحْلَاسِ ، فَقَالَ قَائِلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا فِتْنَةُ الْأَحْلَاسِ ؟ قَالَ : هِيَ هَرَبٌ وَحَرْبٌ ثُمَّ فِتْنَةُ السَّرَّاءِ دَخَنُهَا مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي ، يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنِّي ، وَلَيْسَ مِنِّي وَإِنَّمَا أَوْلِيَائِي الْمُتَّقُونَ . ثُمَّ يَصْطَلِحُ النَّاسُ عَلَى رَجُلٍ كَوَرِكٍ عَلَى ضِلَعٍ ، ثُمَّ فِتْنَةُ الدُّهَيْمَاءِ لَا تَدَعُ أَحَدًا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا لَطَمَتْهُ لَطْمَةً ، فَإِذَا قِيلَ انْقَضَتْ تَمَادَتْ ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ إِلَى فُسْطَاطَيْنِ فُسْطَاطِ إِيمَانٍ لَا نِفَاقَ فِيهِ وَفُسْطَاطِ نِفَاقٍ لَا إِيمَانَ فِيهِ فَإِذَا كَانَ ذَاكُمْ فَانْتَظِرُوا الدَّجَّالَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ مِنْ غَدِهِ . { ([15])
هذا الحديث فيه إشارة إلى ثلاث فتن عظام تحل بالأمة ، وهي فتنة الأحلاس وفتنة السراء ، وفتنة الدهيماء ، والحديث صريح بأن فتنة الدهيماء هي أقرب الفتن من الدجال وموطئة لخروجه ، فإذا أضفنا لهن الفتنة التي تموج موج البحر ، وهي من الفتن العظام ، أصبح لدينا أربع فتن عظام تصيب الأمة الإسلامية ، وورد عن حذيفة t الإشارة إلى الفتن الأربع بقوله : » وليكونن فيكم أيتها الأمة أربع فتن الرقطاء والمظلمة ، وفلانة وفلانة ، ولتسلمنكم الرابعة إلى الدجال . « ([16])
والذي يعنينا هنا الفتنة الرابعة وهي الدهيماء التي تكون بين يدي الدجال ، ففي هذه الفتنة أو في آخرها يقع حسر الفرات ، فقد ورد عن أبي هريرة أنه قال : » تدوم الفتنة الرابعة اثنا عشر عاماً ، وتنجلي حين تنجلي ، وقد انحسر الفرات عن جبل من ذهب . « ([17])
وفي أثر آخر عن حذيفة t قال : » الفتن ثلاث تسوقهم الرابعة إلى الدجال التي ترمي بالرضف والتي ترمي بالنشف .« ([18])
هذه بعض الآثار الواردة عن الصحابة وفي أثر أبي هريرة ربط بين حسر الفرات و آخر الفتنة الرابعة الممهدة للدجال ، أما في أثر حذيفة فقد جاء التصريح بأن الفتنة الرابعة تتميز بأنها ترمي بالرضف ، والرضف الحجارة التي حميت بالشمس ، أو الحجارة المحماة على النار ، أو هي الحجارة التي يوقد عليها حتى تصير لهباً ([19])
أما النشف فهي حجارة سود كأنها أحرقت بالنار ([20]) ، ويفهم من ذلك أن الفتنة الرابعة يكون فيها رمي أو قذف حجارة ملتهبة كبيرة ، أو سوداء محترقة صغيرة
(_ ) ، وفي نهايتها يكون حسر الفرات .
يتحصل لنا من مجموع الآثار والأحاديث أن الفتنة الرابعة ، وهي الدهيماء يكون خلالها رمي بالحجارة من السماء ، وفي نهايتها يكون حسر الفرات الذي يعقبه خروج المهدي مباشرة ، ثم بعد ذلك يكون خروج الدجال .
ومن خلال القرائن الأربعة السابقة يتضح لنا وجه الربط بين حسر الفرات ، والحدث الكوني الذي يعصف بالكرة الأرضية ، يكفي القول بأن هذه القرائن كلها تعزز قولنا بأن حسر الفرات يكون في نفس المرحلة الزمنية التي يتصور فيها نزول الكسف وآية الدخان وخروج المهدي والدجال بعده .
العلامة السادسة : الخسوف العظمى .
/ - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ t قَالَ: اطَّلَعَ النَّبِيُّ r عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ ، فَقَالَ : مَا تَذَاكَرُونَ قَالُوا : نَذْكُرُ السَّاعَةَ قَالَ : } إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ فَذَكَرَ الدُّخَانَ وَالدَّجَّالَ وَالدَّابَّةَ وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ r وَيَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ . { ([21])
/ - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ t قَالَ: اطَّلَعَ النَّبِيُّ r عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ ، فَقَالَ : مَا تَذَاكَرُونَ قَالُوا : نَذْكُرُ السَّاعَةَ قَالَ : } إِنَّ السَّاعَةَ لَا تَكُونُ حَتَّى تَكُونَ عَشْرُ آيَاتٍ خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ وَخَسْفٌ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَالدُّخَانُ وَالدَّجَّالُ وَدَابَّةُ الْأَرْضِ وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قُعْرَةِ عَدَنٍ تَرْحَلُ النَّاسَ { ([22])
/- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صُحَارٍ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : } لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُخْسَفَ بِقَبَائِلَ فَيُقَالُ مَنْ بَقِيَ مِنْ بَنِي فُلَانٍ . { قَالَ فَعَرَفْتُ حِينَ قَالَ قَبَائِلَ أَنَّهَا الْعَرَبُ لِأَنَّ الْعَجَمَ تُنْسَبُ إِلَى قُرَاهَا ) ([23])
/ - عن عَائِشَةُ رَضِي اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : } يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ قَالَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ . { ([24])
/ -عن عَائِشَةُ رَضِي اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : } عَبَثَ رَسُولُ اللَّهِ r فِي مَنَامِهِ فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ صَنَعْتَ شَيْئًا فِي مَنَامِكَ لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ ! فَقَالَ : الْعَجَبُ إِنَّ نَاسًا مِنْ أُمَّتِي يَؤُمُّونَ بِالْبَيْتِ بِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ لَجَأَ بِالْبَيْتِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ خُسِفَ بِهِمْ فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الطَّرِيقَ قَدْ يَجْمَعُ النَّاسَ قَالَ نَعَمْ فِيهِمُ الْمُسْتَبْصِرُ وَالْمَجْبُورُ وَابْنُ السَّبِيلِ يَهْلِكُونَ مَهْلَكًا وَاحِدًا وَيَصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ{ ([25])
شرح :
- الحديث الأول والثاني يشيران إلى ثلاثة خسوف عظيمة إحداها بالمشرق والآخر بالمغرب والثالث بجزيرة العرب ، في الرواية الأولى جاء ذكر الخسوف في آخر العلامات وفي الرواية الثانية جاء ذكر الخسوف أول العلامات مما يشير إلى أنها لم تذكر على سبيل الترتيب كما بينت سابقاً .
- تعتبر الخسوف الثلاثة من الآيات العظام ؛ أي لا يراد بها ما نراه من زلازل معهودة تقع هنا أو هناك ، بل يراد بها أحداثاً عظاما جوهرية تؤثر على جوهر الصراع في الأرض ، وإلا لما حسن ذكرها هنا في العلامات الكبرى ، بل لفظة آية تشير إلى أن
هذه الخسوف ستكون من باب الأمور غير المعهودة أو المتوقعة .
- وبالرغم من تسليمنا من أن تلك العلامات ليست مذكورة في الحديث على سبيل الترتيب ، إلا أن الخسوف الثلاثة هنا في أغلب الظن مرتبة ترتيباً زمنياً لأنها تمثل علامة واحدة ، فيكون الخسف الأول بالمشرق ثم يعقبه خسف في المغرب ثم يكون خسف الجزيرة العربية .
- جاء في أحاديث أخرى وصفٌ لخسف عظيم يلحق بجيش يغزو الكعبة ، ودلائل السياق تشير إلى أن هذا الجيش الذي يخسف به هو الجيش الذي يقصد قتال المهدي عندما يلوذ بالكعبة ، ويكون مبعثه من الشام ، فيقع به الخسف العظيم ، و يعتبر هذا الخسف من علامات المهدي الجلية ، والراجح في ظني أن الخسف الذي في جزيرة العرب في عهد المهدي t هو الخسف الثالث في الآيات العظام ، وهذا احتمال قوي .
- وفق هذا الاحتمال الذي أرجحه يكون عندنا تصور للمرحلة الزمنية التي يكون فيها الخسف الثالث والأخير وهي مرحلة خروج المهدي ، وقبل خروج الدجال ، وإذا اعتبرنا كما دللت سابقاً أن آية الدخان قبل الدجال وموطئة له وعلامة من علامات قرب خروجه ، إذا يحتمل الأمر أن يكون الخسفان الآخران إما قبل آية الدخان ، أو بعدها ؛ بحيث يكونا أثراً من آثار آية الدخان التي سبق الربط بينها وبين نزول كسف من السماء ، واستأنس لما ذكرت بما ورد عن كعب أنه قال : » .. والنجم الذي يرمي به شهاب ينقض من السماء ، معها صوت شديد حتى يقع في المشرق ، ويصيب الناس منه بلاء شديد . ([26])
فالأثر الوارد عن كعب يربط بين صوت شديد وسقوط كسف من السماء في المشرق ، وما يترتب على ذلك من بلاء شديد،ولعل الخسف المشرقي مترتب على سقوط هذا الكسف .
العلامة السابعة : خروج أهل المدينة .
/- عَنْ أَبِي ذَرٍّ t قَالَ : أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r فَنَزَلْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ فَتَعَجَّلَتْ رِجَالٌ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبَاتَ رَسُولُ اللَّهِ r وَبِتْنَا مَعَهُ فَلَمَّا أَصْبَحَ سَأَلَ عَنْهُمْ فَقِيلَ تَعَجَّلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ : } تَعَجَّلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَالنِّسَاءِ أَمَا إِنَّهُمْ سَيَدَعُونَهَا أَحْسَنَ مَا كَانَتْ ثُمَّ قَالَ : لَيْتَ شِعْرِي مَتَى تَخْرُجُ نَارٌ مِنَ الْيَمَنِ مِنْ جَبَلِ الْوِرَاقِ تُضِيءُ مِنْهَا أَعْنَاقُ الْإِبِلِ بُرُوكًا بِبُصْرَى كَضَوْءِ النَّهَارِ . { ([27])
/ - عن أَبي هُرَيْرَةَ t قَالَ : قال : رَسُولُ اللَّهِ r لِلْمَدِينَةِ : } لَتَتْرُكَنَّهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ مُذَلَّلَةً لِلْعَوَافِي يَعْنِي السِّبَاعَ وَالطَّيْرَ . { ([28])
/ - عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r} عُمْرَانُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَرَابُ يَثْرِبَ وَخَرَابُ يَثْرِبَ خُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ وَخُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ فَتْحُ قُسْطَنْطِينِيَّةَ وَفَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ خُرُوجُ الدَّجَّالِ ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى فَخِذِ الَّذِي حَدَّثَهُ أَوْ مَنْكِبِهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ هَذَا لَحَقٌّ كَمَا أَنَّكَ هَاهُنَا أَوْ كَمَا أَنَّكَ قَاعِدٌ يَعْنِي مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ . { ([29])
/ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قال: } لَتُتْرَكَنَّ الْمَدِينَةُ عَلَى أَحْسَنِ مَا كَانَتْ حَتَّى يَدْخُلَ الْكَلْبُ أَوِ الذِّئْبُ فَيُغَذِّي عَلَى بَعْضِ سَوَارِي الْمَسْجِدِ أَوْ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! فَلِمَنْ تَكُونُ الثِّمَارُ ذَلِكَ الزَّمَانَ ؟ قَالَ : لِلْعَوَافِي الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ . { ([30])
/ - عَنْ حُذَيْفَةَ t أَنَّهُ قَالَ : « أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ r بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ ، فَمَا مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا قَدْ سَأَلْتُهُ ، إِلَّا أَنِّي لَمْ أَسْأَلْهُ مَا يُخْرِجُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ مِنْ الْمَدِينَةِ . » ([31])
شرح :
- هذه الأحاديث الخمسة تتحدث عن خراب المدينة ، وهناك أحاديث أخرى تتحدث عن مثل هذا الخراب سيأتي الحديث عنها في موضع مستقل ، والذي وصلت له بعد البحث أن ترك المدينة إنما يقع عدة مرات ، وليس مرة واحدة ، وهذه الأحاديث تشير إلى أحد هذه الخرجات .
- الشاهد في الأحاديث السابقة أن أهل المدينة سيتركون المدينة وهي أينع ما تكون ، وهذا الترك لا بد أن يكون وراءه سبب قاهر ، وقد جاء في بعض روايات الأحاديث عن أبي هريرة أن الذي يخرج أهل المدينة أمراء السوء ، وهذا التوضيح إنما هو لأحد الخرجات ، وقد حصل مثله في عهد يزيد في وقعة الحرة .
- في حديث معاذ بن جبل t جاء الربط بين أمرين وهما : أن خراب المدينة له علاقة زمنية بعمران بيت المقدس ، وعمران بيت المقدس كما يدل عليه سياق الحديث يراد به نزول الخلافة في عهد المهدي t ، لارتباط العمران بخروج الملحمة ، وهذا يكون في آخر الزمان .
- في حديث أبي ذر إشارة إلى أن خروج أهل المدينة ناجم عن خروج نار عظيمة من جبل الوراق باليمن تضيء أعناق الإبل في الشام ، وذلك كناية عن عظم هذه النار .
- حديث حذيفة الأخير فيه دلالة على أن هذا الخروج لا يراد به ما يقع عند فناء الدنيا ، إنما هو حدث مستقل يطرأ على المدينة المنورة .
محصلة الأحاديث السابقة :
- خروج أهل المدينة وهي أينع ما تكون ؛ ويكون الخروج شامل لكل أهلها ، لدرجة أن ما يبقى فيها من ثمار يكون من نصيب العوافي والسباع ، ويخلو المسجد النبوي من أهله فتسرح فيه الكلاب والذئاب وتبول حتى على المنبر ، وهذا لا يتصور إلا عند حصول ظرف قاهر يمنع أهل المدينة من البقاء فيها منعاً باتاً
- هذا الخروج يقع بعد نزول الخلافة بيت المقدس قبل الملحمة العظمى ، وبالتالي جاء تحديد وقت هذا الخروج ، فلا يراد به ما وقع على أيدي أمراء السوء كما حصل في وقعة الحرة (_ ) ولا يراد به ما يقع في اللحظات الأخيرة للدنيا عند الحشر كما صرحت الأحاديث لبعض الخرجات ، وحديث حذيفة الأخير قرينة واضحة في أن هذا الخروج لا يراد به الخروج النهائي عند فناء الدنيا . و إنما يراد به هنا تلك الخرجة التي تكون عند بداية نزول الخلافة ، وقبيل الملحمة العظمى ، والتي دل عليها حديث معاذ t ، وهذا التوقيت بالذات يجعلنا نربط بينه وبين الأحاديث التي ربطت بين نزول الخلافة بيت المقدس وسنوات الزلازل والأمور العظام ، وما يقع في المدينة هو أحد هذه الأمور العظام .
- جاء التصريح في أحد الآثار بخروج نار من جبل الوراق ، ودلائل السياق تشير إلى أن هناك علاقة بين خروج أهل المدينة وبين تلك الحمم التي يقذفها هذا الجبل ، أو غيره من الفوهات البركانية حول المدينة المنورة وجاءت الإشارة إلى عظم تلك الحمم لدرجة أن لهيبها يضيء ليل بادية الشام ، وهذه الثورة البركانية الهائلة بهذا الشكل غير معهودة حتى في الجبال البركانية النشطة ، فكيف بمنطقة بركانية خامدة كتلك القريبة من اليمن .
ملاحظة :
يشير الدكتور زغلول النجار أن المدينة المنورة محاطة بحوالي 700 فوهة بركانية سجلت ما لا يقل عن 300 هزة أرضية خلال سنة واحدة مما يؤكد أنها لا تزال نشطة ، وبالتالي لا بد لها أن تفور في يوم من الأيام ، وحتمية العلم تؤكد ذلك . ([32])
و الذي أشار إليه د زغلول يقرب لنا تصور ما ذكرت من احتمالية ثورة بركانية عاصفة تؤثر على كامل المدينة المنورة وتكون سبباً في نزوح أهلها عنها .
ما علاقة خروج أهل المدينة بالحدث الكوني ؟
قد يسأل سائل هنا : لو اقتنعنا بأن خروج أهل المدينة بسبب ثورة بركانية في جبل الوراق باليمن ، أو نتيجة ثورات بركانية حول المدينة المنورة ، فما وجه علاقته بنزول كسف من السماء ، أو بالحدث الكوني ؟
وهذا التساؤل يمكن الإجابة عليه ببساطة ، ومن تتبع مجموع الأحاديث في هذا المبحث والمرحلة الزمنية التي تنتمي إليه لعلم وجه العلاقة بينها جميعا .
ولكي يتضح الأمر أقول : هذه الثورة البركانية غير معهودة ، وزمانها له علاقة بسنوات الزلازل والبلايا العظام ، وقد تكون له علاقة بالتغيرات غير المعهودة التي تقع بالجزيرة العربية فتحولها إلى مروج وأنهار .
فمجموع تلك الأدلة تشير إلى تغير غير طبيعي في جيولوجيا الأرض ، ومناخها ، وهنا يطرح تساؤل : ما الذي سيصيب الأرض في تلك المرحلة بالذات ويجعلها مضطربة بهذا الشكل ؟
طبعاً الإجابة هي وقوع حدث غير معهود يؤثر على الكرة الأرضية بأجمعها ، ومن ضمنها الزلازل والبراكين ، ووقوع كسف على الأرض ، وما يترتب على ذلك من قوة تدميرية تفوق المئة ألف قنبلة نووية ، و قد يوقع مثل هذا التدمير اضطراباً في جوف الأرض ولابتها .
والرابط القوي أو القرينة القوية – في ظني – المعززة لهذا الفهم هو أن كل تلك الأحاديث المذكورة في هذا الباب تمثل نفس المرحلة الزمنية مما يوحي بأن هناك علاقة واحدة تربط بينها ، وخلاصة القول إن خروج أهل المدينة إن لم يكن له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالحدث الكوني كأحد نتائجه يكفي القول هنا أن الخروج يكون في نفس المرحلة الزمنية .
تساؤل آخر :
لقد ربطت في هذا المبحث بين مرحلة المهدي وبين الدخان وبين الدجال ، وجعلتها تمثل مرحلة واحدة متتالية ، الدخان ، ثم الخلافة المقدسة ، ثم الملحمة ثم الدجال ، وجاء الربط هنا بين خراب المدينة فيما بين نزول الخلافة بيت المقدس والملحمة العظمى ، أي أن خروج أهل المدينة قريب جداً من خروج الدجال ، والمعلوم أنه ثبت في أحاديث كثيرة أن الدجال عندما يخرج تكون المدينة عامرة بأهلها ، وهذا يتعارض مع ما ذكرت هنا من أن المدينة في تلك المرحلة تكون خالية من أهلها ، فكيف يمكن دفع التعارض بين الأمرين ، وكيف يمكن تصور خروج أهل المدينة منها ، وعمرانها بهم في نفس المرحلة الزمنية ؟
والإجابة على هذا الإشكال بسيطة ، وهي متعلقة في كيفية تعامل البشرية مع الأحداث الطبيعية من ناحية ، وطبيعة المدة الزمنية بين الملحمة وخروج الدجال .
فالمعلوم أنه عند ثوران بركان أو حدوث زلزال أو إعصار أو غيره فإن الناس ترحل عن مكان الحدث ما دام الخطر يتهدده ، فإذا زال الخطر رجعوا إلى مدنهم وقراهم ، وما سيقع للمدينة لا يتصور دوامه مدة طويلة جداً ، وأقصى حالاته سنة أو سنتان ، وذلك في حالة كون ثورة هذا البركان غير طبيعية .
وعلى هذا الاعتبار يمكن القول أن الأحاديث التي تشير إلى ترك المدينة يراد بها تلك المرحلة ، ثم بعد ذلك يعود أهلها إليها ، ودوافع العودة إليها قوية جداً لخصوصيتها الدينية .
و قد ثبت في أحاديث أخرى أن المدة بين الملحمة وخروج الدجال سبع سنوات ، وترك المدينة يكون قبل خروج الملحمة ، إذا هناك على الأقل ثمان سنوات بين الحدثين ، وهي مدة كافية لعمران المدينة من جديد .
كذلك يعزز ما ذكرت أن بعض الآثار جاءت صريحة في الربط بين الخروج من المدينة وبين فتنة الدجال مما يعزز كونها في مرحلة واحدة بحيث يكون الخروج أولاً لسبب قاهر ثم تكون فتنة الدجال ، ومن هذه الآثار ما ذكره محجن بن الأذرع أنَّ رَسُولَ اللَّهِ r أَخَذَ بِيَدِي فَصَعِدَ عَلَى أُحُدٍ فَأَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ } وَيْلُ أُمِّهَا قَرْيَةً يَدَعُهَا أَهْلُهَا خَيْرَ مَا تَكُونُ أَوْ كَأَخْيَرِ مَا تَكُونُ فَيَأْتِيهَا الدَّجَّالُ فَيَجِدُ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهَا مَلَكًا مُصْلِتًا جَنَاحَيْهِ فَلَا يَدْخُلُهَا { ([33])
فهذا الأثر يعتبر فيصلاً في المسألة وفيه ربط زمني واضح بين خروج أهل المدينة ، وبين حصار الدجال لها بعد ذلك .
([1]) أخرجه مسلم في الزكاة برقم 157 [ مسلم بشرح النووي ( 4/ 116) ]
(_ ) من نظر إلى سياق الحديث ومدلولات عباراته يعلم أن المراد به تحول كل الجزيرة العربية إلى مروج وأنهار ، فنص العبارة المذكورة « وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا » بجعل كلمة مروج تمييزاً لأرض العرب ، وهذا أسلوب يعرفه البلاغيون ، ولو كان المقصود به بعض المروج لكانت العبارة السابقة بشكل آخر ؛ أي لقال النبي r « تعود المروج والأنهار إلى جزيرة العرب » ولعل أقرب مثال توضيحي هو قول الله في حق زكريا : « واشتعل الرأس شيباً » فهذا التعبير يشير إلى أن الرأس كله تحول إلى الشيب ، وهي أبلغ في التعبير من القول « اشتعل شيب الرأس » التي تدل على حصول الشيب دون عمومه .
([2]) سبق تخريجه
([3]) سبق تخريجه
(_ ) قد يظن البعض أن لفظة موتان تشير إلى المثنى ؛ أي حدثين يتضمنان موت شديد ، وبعضهم أسقط الحديث على الحربين العالميتين ، وهذا وهم منه ، فالموتان مفرد وليس جمع ، وهي لفظة مرادفة لكلمة الموت ، فالموت والموتان من أسماء الوفاة ، يقول ابن منظور : الموت والموتان ضد الحياة [ لسان العرب ( 2/90) ] ولو كان يراد بهذه اللفظة الإشارة إلى موتتين لجاءت الصفة بعدها بصيغة المثنى [ موتان شديدان ] ومجيئها بصيغة المفرد يدل صراحة على أنه يراد به موت شديد ؛ أي حدث واحد وليس اثنين ، لكن يلاحظ أن لفظة الموتان تستخدم في الأغلب للدلالة على الحالات التي يكثر فيها عدد الموتى بشكل لافت .
([4]) سبق تخريجه
(_ ) المعلوم أن الجمع المعرف هو من صيغ العموم ، لكنها في أحوال مخصوصة تحتمل أن تكون من العام الذي يراد به الخصوص ؛ وأشعر هنا أنها محتملة لذلك ؛ لذا استخدمت هنا صيغة الاحتمال لا الجزم .
([5]) أخرجه الإمام أحمد برقم 11326 ، قال محققه : إسناده ضعيف [ المسند بتحقيق الأرناؤط ( 17/426) ] ؛ وكذلك أخرجه الإمام أبو عمرو المقري في سننه ، وذكر لفظة زلزال بدل زلازل ؛ و أخرجه الحافظ أبو نعيم في صفة المهدي [ انظر عقد الدرر ( 62) ] ؛ قال الهيثمي : رواه أحمد بأسانيد وأبو يعلى باختصار كثير ورجالهما ثقات [ مجمع الزوائد ( 7/610) ] ؛ قال الألباني : رجاله ثقات رجال مسلم غير العلاء بن بشير ، وهو مجهول كما في التقريب ، لكن قد توبع على بعضه عند الحاكم [ السلسلة الصحيحة ، شواهد حديث رقم 4001 ]
([6]) سبق تخريجه
(_ ) راجع الفصل الثاني من الباب الأول حيث فصلت هناك القول في هذه العلامة وذكرت كل الاحتمالات التي ذكرها العلماء في تصورهم لها ، وناقشت كل هذه الاحتمالات مبيناً القرائن الدالة على سبب ترجيحي لكون هذه العلامة على حقيقتها .
(__ ) قد يقول البعض أن اليوم كسنة ليس على حقيقته ؛ بل هو كناية عن شدة هذا اليوم ، وهذا التصور ضعيف لوجود شاهد في الحديث ، وهو استفسار الصحابة عن طبيعة العبادة في هذا اليوم ، فقال النبي r : اقدروا له قدره . مما يدل صراحة على أن الطول الزمني لهذا اليوم هو سنة حقيقية . وسيأتي تفصيل ذلك في الفصل الخاص عن الدجال .
([7])أخرجه مسلم برقم 2895 [ مسلم بشرح النووي ( 9/218) ]
([8]) أخرجه مسلم برقم 2894[ مسلم بشرح النووي (9/217 ) ]
([9]) أخرجه البخاري برقم 7119 [ البخاري مع الفتح ( 13/84) ] ومسلم برقم 2894 [ مسلم بشرح النووي ( 9/217 ) ]
([10]) ابن منظور : لسان العرب ( 4/188)
([11]) ابن منظور : لسان العرب ( 11/96)
(_ ) يشهد لهذا الفهم أثر أخرجه عبد الرازق فيه : عن القاسم بن عبد الرحمن قال : « شُكي إلى بن مسعود الفرات فقالوا : نخاف أن ينفتق علينا ، فلو أرسلت من يسكره فقال عبد الله : لا نسكره فو الله ليأتين على الناس زمان لو التمستم فيه ملء طست من ماء ما وجدتموه وليرجعن كل ماء إلى عنصره ويكون بقية الماء والمسلمين بالشام . » [ المصنف برقم 20779 ( 11/373) ] فهذا الأثر يشير إلى أن نضوب ماء الفرات سيكون حقيقياً لدرجة لا يجد أحدهم طست ماء فيه ، وهو يتحدث عن مرحلة نضوب للماء شامل للأرض ضمن تغير مناخي غير معهود .
([12]) انظر داود : كنز الفرات (145 وما بعدها ) ؛ جمال الدين : أشراط الساعة الصغرى ( 133) ؛ العريفي : نهاية العالم ( 1139) ؛
([13]) أخرجه ابن ماجة برقم 4084 [ السنن ( 2/1367) ] ، والحاكم [ المستدرك ( 4/463) ] ، وقال عنه ابن كثير : تفرد به ابن ماجة . وهذا إسناد قوي صحيح . وصححه البستوي في رسالته [ البستوي : المهدي المنتظر ( 192) ]
([14]) ابن حجر : فتح الباري ( 13/87)
([15]) سبق تخريجه
([16]) أخرجه نعيم برقم 103 [ الفتن ( 35) ] و ابن أبي شيبة في موضعين ( 7/496 ) ( 7/487)
([17]) أخرج هذا الأثر نعيم برقم 922 [ الفتن ( 233) ]
([18]) أخرجه ابن أبي شيبة برقم 37132 [ المصنف ( 7/450) ] والحاكم نحوه في الفتن برقم 8435 ، وقال عنه : صحيح على شرط الشيخين [ المستدرك ( 4/511) ] ؛ و نعيم برقم 90 [ الفتن (32) ] و والحديث إسناده صحيح [ هادي : صحيح مرويات حذيفة في الفتن ( 12) ]
([19]) ابن منظور : لسان العرب ( 9/121)
([20]) ابن منظور : لسان العرب ( 9/329)
(_ ) يحتمل الأثر المعنى المجازي ، فيراد بالنشف الفتن الصغار التي لا تؤثر على الإيمان كثيراً ، أما الرضف فيراد بها الفتن القاتلة المؤثرة على الإيمان .
([21]) سبق تخريجه
([22]) سبق تخريجه
([23]) أخرجه أحمد برقم 15965 ، قال محققه : إسناده ضعيف [ المسند بتحقيق الأرناؤط ( 25 /312) ؛ وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني برقم 1652 ( 3/151) ؛ والطبراني في الكبير برقم 7404 ( 8/73) ؛ وأبو يعلى برقم 6843 ، قال محققه : إسناده جيد ( 12/219) ؛ والحاكم برقم 8375 ، وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه [ المستدرك ( 4/444) ]
([24]) أخرجه البخاري برقم 2118 [ البخاري مع الفتح ( 4/397) ]
([25]) أخرجه مسلم برقم 2884 [ مسلم بشرح النووي ( 9/205) ]
([26]) أخرجه نعيم بن حماد برقم 621 ، وقال محققه إسناده حسن[ الفتن ( 152) ]
([27]) أخرجه أحمد برقم 21289 ، قال محققه : صحيح لغيره [ المسند بتحقيق الأرناؤط ( 35/216) ] ؛والحاكم برقم 8366 ، وقال صحيح الإسناد ، وأقره الذهبي [ المستدرك ( 4/489) ]
([28]) أخرجه مسلم برقم 1389 [ مسلم بشرح النووي ( 5/152) ]
([29]) أخرجه البخاري برقم 1874 [ البخاري مع الفتح ( 4/197) ] ؛ وأبو داود برقم 4296 واللفظ له ( 4/183) ]
([30]) أخرجه مالك في الموطأ برقم 1381 ، وقال ابن حجر : أخرجه معن بن عيسى في الموطأ عن مالك ، ورواه جماعة من الثقات خارج الموطأ [ فتح الباري ( 4/108) ]
([31]) أخرجه مسلم برقم 2891 [ مسلم بشرح النووي ( 9/214) ]
(_ ) هناك عدة قرائن في سياق الأحاديث تجعلنا لا نتصور خروج الناس بسبب أمراء السوء ، منها : أن الخراب يقع بعد عمران بيت المقدس بالخلافة ، وهذا يجعلنا نستبعد فكرة أمراء السوء في تلك المرحلة بالذات ، ومنها : إن طبيعة الوصف للترك الشامل لا يمكن تصور وقوعه على يد أمراء السوء ، ومهما كان ظلمهم ، فلن يصل لدرجة تخلو به بلد من كل أهلها بهذا الشكل ، بل على الأقل يبقى في البلد بعض الظلمة أو اللصوص لينتفعون من خيراتها وثمارها ، أما تركها بهذا الشكل للذئاب ، فلا بد أن يكون وراءه حدث طبيعي قاهر فوق قدرة البشر ألجأ جميع البشر للخروج منها ، وقد جاء التصريح في بعض الأحاديث بكون هذا الحدث هو الحمم التي تخرج من جبل الوراق وتقذف بها نحو المدينة وغيرها .
([32]) صحيفة دنيا الوطن الالكترونية بتاريخ 29 / 1/ 2005 م www.alwatanvoice.com
([33]) أخرجه أحمد برقم 18976 [ المسند بتحقيق الأرناؤط ( 31/313) ] ؛ قال الهيثمي : رواه أحمد ، ورجاله رجال الصحيح خلا رجاء بن حيوة وقد وثقه ابن حبان [ مجمع الزوائد ( 3/308) ] ؛ والحديث له طريق آخر عند الطبراني قال عنه الهيثمي : رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح [ مجمع الزوائد ( 3/309) ]
يتبببببببببببببع إن شاء الله .......... والباقي أكثر إثارة وعلم ومتعة وفهم
في المبحث الثالث
يزداد العمق والربط بين العلامات الصغرى وعلامة الدخان
ويكشف اللغز الذي حير كل أصحاب منتديات الفتن
هنا نحتاج مزيد من التأمل لنكون على دراية في كيفة تحولنا من العلامات الصغرى إلى الكبرى
وكيف يمكن تصور الاحداث
مع العلم البحث عمره ثماني سنوات
أترككم الان للتفكروا من خلال هذا المبحث
وليجيب على كثير من الأسئلة التي أرهقت الكثيرين
ويجيييييييييييييييييب على كثير من الرؤى
علامات أخرى يحتمل أن تكون
مترتبة على وقوع حدث كوني
هذه بعض العلامات المستقبلية التي لم يتم تحديد المراد بزمن وقوعها ، ولكن يتوقع أن يكون لها علاقة بالحدث الكوني ؛ خاصة أنها تتضمن قرائن عدة تعزز من كونها واقعة بعد أمر عظيم أو تغيرات غير معهودة بالكرة الأرضية .
العلامة الأولى : عودة الغطاء النباتي الكثيف لجزيرة العرب .
/ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ : } لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ وَيَفِيضَ حَتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا مِنْهُ وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا{ ([1])
أقول :
هذا الحديث فيه إشارة واضحة إلى تغيرات طبيعية جوهرية في الكرة الأرضية ،يترتب عليها تغير مناخ الأرض بشكل كلي ؛ إذ لا يتصور وفق فهمنا تصور تحول جزيرة العرب إلى مروج تجري بينها الأنهار إلا إذا كان هناك تغير جذري في المناخ ، والأمر وفق المعطيات المعاصرة غير مستبعد .
كذلك الحديث فيه دلالة على أن الجزيرة العربية في العصور الساحقة كانت مروجاً وأنهاراً ، وقرينة ذلك استخدام لفظة » تعود « الدالة على رجوع الشيء إلى سابق عهده الذي كان عليه ، ويعزز ذلك المعنى ما وجد في جزيرة العرب من بحيرات بترولية تحته ، والتي يرى العلماء أنها تكونت بسبب تحول مواد عضوية لحيوانات ونباتات مما يشير إلى وجودها بكثرة في ذلك المكان في الماضي .
ولفظة تعود تشير إلى ما ذكرت ، ولو كان المعنى غير ذلك لاستخدم النبي r كلمة تتحول الدالة على تغير شيء عن سابق عهده .
ورأيت لبعض الشراح خاصة المعاصرين من يرى أن هذه العلامة يراد بها ما نراه من كثرة الآبار ومن العمران الموجود في الجزيرة ، ويتعسف القول بتحليلات لا تسلم منها إسقاط الحديث على محاولات حكومات الجزيرة العربية لتحويل مجرى نهري من العراق أو غيرها أو جر جبل جليدي إلى الجزيرة العربية ..إلخ
والملاحظ أن هذه التحليلات متعسفة ، والحديث نفسه يتضمن قرينة مانعة من الأخذ بها ؛ إذ يتصور نتيجة لجر جبل جليدي أو تغير مجرى نهر أن تكون بعض المروج مع بعض الجداول في بعض المناطق ، لكن الحديث أشار إلى تحول أرض العرب بأكملها إلى مروج وأنهار (_ ) ، وهذا السياق لا يتفق مع تلك التحليلات ، والذي حمل البعض عليها هو صعوبة تصورهم لأمر ألفوا غيره ؛ وهو تلك الصحراء القاحلة كيف تتحول إلى بساتين وأنهار .
وفي تصوري أن ما ألفه الإنسان من ثبات نسبي في المناخ والطبيعة ليس على إطلاقه ، وتاريخ الكرة الأرضية يشهد لتغيرات جوهرية وقعت بها فمن عصر جاف إلى عصر مطير إلى عصر جليدي ، وهذه التغيرات غير بعيدة عن الكرة الأرضية .
وأي تحول في مسار الكرة الأرضية ، أو انحراف مغناطيسي لها ، كفيل بإذابة القطبين ، وتغيير المدارات وخطوط العرض ، ومثل هذا التغير ليس مستبعداً ، فالأمر كله بيد الله سبحانه وتعالى ، وما ألفه الإنسان لا يبقى على حاله ، و التنبؤات العلمية الصادرة هنا وهناك لعلماء فلك أو مناخ أو طبيعة ، يتصورون مثل هذا الأمر .
وجه علاقة هذه العلامة بآية الدخان والحدث الكوني المترتب عليها :
الحديث يشير إلى تغير غير معهود أو حتى غير متصور في ظل منظومة السنن الكونية الحالية ، لكنه يتصور حال تغير هذه المنظومة ، وتغير المنظومة كاملة لا بد أن يكون نتيجة لحدث جلل يعصف بالكرة الأرضية ويؤثر عليها على وجه العموم ، وهذا يبرز لنا وجه العلاقة بين هذه العلامة وبين الحدث الكوني ، حيث إن ضرب كسف للأرض كفيل بتغيير كل القوانين التي تحكم مناخها ، بما يترتب عليه تغير جذري في كل ما نعهده الآن ، و دخول الأرض في دورة مناخية جديدة لها سننها المغايرة عما سبق الحدث، ومن هذه التغيرات المترتبة على منظومة السنن الجديدة ما يقع للجزيرة العربية من عودة مناخها القديم المطير، وما يترتب على ذلك من جريان الأنهار وانتشار الغطاء النباتي
العلامة الثانية والثالثة : فناء كبير يعقبه اضطراب جيولوجي في صفائح الأرض .
/ - عن عبد الله بن حوالة t قال : قال لي رسول الله r : } يَا ابْنَ حَوَالَةَ إِذَا رَأَيْتَ الْخِلَافَةَ قَدْ نَزَلَتْ أَرْضَ الْمُقَدَّسَةِ فَقَدْ دَنَتِ الزَّلَازِلُ وَالْبَلَابِلُ وَالْأُمُورُ الْعِظَامُ وَالسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنَ النَّاسِ مِنْ يَدِي هَذِهِ مِنْ رَأْسِكَ . { ([2])
/- عن سَلَمَةُ بْنُ نُفَيْلٍ السَّكُونِيُّ قَالَ : قال رسول الله r : }.. بَلْ تَلْبَثُونَ حَتَّى تَقُولُوا مَتَى ؟ وَسَتَأْتُونَ أَفْنَادًا يُفْنِي بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَبَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ مُوتَانٌ شَدِيدٌ وَبَعْدَهُ سَنَوَاتُ الزَّلَازِلِ . { ([3])
شرح :
هذا الحديثان يشيران إلى علامتين قد يكون لهما علاقة بنزول كسف من السماء ، وهما :
العلامة الأولى : الموت الشديد :
الحديث فيه إشارة إلى حصول موت شديد في الأرض ، وقد عبر عنه الحديث بعبارة الموتان (_ ) الشديد بين يدي الساعة ، وهذا الوصف يتناسب مع ما ذكره علماء الفلك من توقعاتهم أن الساعات أو الأيام الأولى من نزول نيزك يترتب عليه موت ملايين البشر ، ثم يعقب ذلك أوبئة وقحط ومجاعة تأكل العدد الأكبر من البشرية ، وهذه الأوصاف تتفق من حيث المحصلة مع قول النبي r موتان شديد .
وهذا الموتان هو غير الموتان الذي جاء ذكره في حديث سابق ذكرته في الفصل الأول من الكتاب ؛ لأن الموتان السابق لم يوصف بكونه شديداً ، و صيغة الحديث السابق أنه خاص بأمة محمد r أو بالصحابة من الأمة على وجه الخصوص ، ومن أوصافه أنه يأخذهم كقعاص الغنم مما يشير إلى أنه وباء ، وقد سبق اعتباره دالاً على طاعون عمواس .
أما الموتان هنا ، فهو بين يدي الساعة ، وهو عام ، لا يخص أمة محمد r ، وشديد يهلك بسببه جمع عظيم ، و ارتبط بعلامة بعده مباشرة ، وهي سنوات الزلازل
وقد يكون هذا الفناء أو الموت هو الذي ورد ذكره في حديث أَبِي ذَرٍّ t حيث قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : } كَيْفَ أَنْتَ يَا أَبَا ذَرٍّ وَمَوْتًا يُصِيبُ النَّاسَ حَتَّى يُقَوَّمَ الْبَيْتُ بِالْوَصِيفِ يَعْنِي الْقَبْرَ قُلْتُ : مَا خَارَ اللَّهُ لِي وَرَسُولُهُ أَوْ قَالَ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ : تَصَبَّرْ قَالَ : كَيْفَ أَنْتَ وَجُوعًا يُصِيبُ النَّاسَ حَتَّى تَأْتِيَ مَسْجِدَكَ فَلَا تَسْتَطِيعَ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى فِرَاشِكَ وَلَا تَسْتَطِيعَ أَنْ تَقُومَ مِنْ فِرَاشِكَ إِلَى مَسْجِدِكَ . قَالَ : قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ أَوْ مَا خَارَ اللَّهُ لِي وَرَسُولُهُ قَالَ عَلَيْكَ بِالْعِفَّةِ .. . { ([4])
فالأثر السابق يشير إلى موت وبائي واسع يصيب أكثر الناس لدرجة أن البيوت يصبح لا قيمة لها لقلة ساكنيها فيشترى العبد بثمن البيت ، والمعلوم أن ثمن أي بيت أغلى بكثير من ثمن العبد ، وهذه حالة استثنائية تتغير فيها الأحوال وتكثر فيها البيوت الخاوية من أهلها بسبب هذا الموت بحيث لا يصبح لها قيمة لدرجة أن ثمن العبد يوازيها لأن نفعه في تلك المرحلة يكون أكثر من نفع تلك البيوت ، وهذا إشارة إلى تفشي الموت وكثرته ، وكثرة من يصاب به ، والتعبير في النص بأن الموت يصيب الناس قد يفيد العموم (_ ) ؛ أي كل الناس : عربهم وعجمهم ، مسلمهم وكافرهم .
كذلك نلحظ أن العلامة الثانية تشير إلى جوع شديد يصيب الناس لدرجة يمنع الناس من الحركة القليلة لشدة الجهد وهوان الجسم بسببه ، وقد يكون هناك رابط بين الجوع الشديد المذكور في هذا الحديث ، وبين القحط العظيم الذي ذكره النبي r في أحاديث أخرى سبق أن شرحتها في المبحث السابق .
ودلائل بعض روايات الحديث تشير إلى أن أهل المدينة المنورة سيصيبهم من هذا الجوع والموت ، وهذا الحدث بهذا التوصيف غير المعهود لم يقع بعد ، ولم تعهد مثله المدينة المنورة ، أو غيرها بنفس الوصف ، فلعله المقصود بحديث الموتان الشديد وبحديث القحط الشديد والسنة يفسر بعضها بعضاً .
العلامة الثانية : سنوات الزلازل .
- هذه العلامة تتعلق مباشرة بأمرين : الأول : الموتان الشديد ؛ حيث تكون بعده مباشرة ، والثاني نزول الخلافة بيت المقدس ،حيث تكون إما مواكبة لها أو قبلها بقليل كما صرحت بعض الآثار أو خلالها كما صرح الحديث السابق ، وخلافة بيت المقدس لها علاقة بالعالمية الثانية للإسلام في عهد المهدي t .
- المراد بسنوات الزلازل ، سنوات معينة تضطرب بها الأرض بصورة ملحوظة ، بحيث يصدق عليها هذا الوصف ، وهذه السنوات لم تأت بعد ، وفيها إشارة إلى اضطراب غير معهود في الكرة الأرضية ، وليس كما يدعي البعض من أننا نعيش الآن زلازل عدة يصدق فيها هذه العلامة ؛ لأن ما نعيشه ، وما عاشه أسلافنا في السابق من زلازل هي حالة طبيعية في الكرة الأرضية ، لا يصدق فيها القول أنها غير معهودة ، وطبعاً حديثي من اعتبار الزلازل حالة طبيعة لا يعني نفي كونها رجفات عذاب ، إنما قصدي أن هذه الظاهرة في عصرنا لم تأخذ شكلاً غير معهود يصدق فيه الوصف بأنها سنوات زلازل .
والمعنى الطبيعي المتبادر لنا من قول الرسول r هو أن هناك سنوات مخصوصة تكون الأرض فيها غير مستقرة بأهلها ؛ بحيث يكثر اهتزازها ، و تزلزلها بشكل غير معهود ، والسؤال الذي يطرح هنا : ما هو الحدث الذي سيؤثر على الكرة الأرضية أو صفائحها الصخرية .
- الملاحظ من الحديث الأول أن هناك علاقة بين الزلازل والأمور العظام ، وبين نزول الخلافة بيت المقدس ، وفي الأحاديث السابقة كان هناك ربط بين خروج المهدي وعلامة في السماء ، مما يشير إلى أن هناك علاقة بين الأمور الثلاثة السابقة ، ويكون الترتيب ، نزول كسف من السماء يخل بجيولوجيا الأرض ويؤثر على صفائحها الصخرية ، موتان عظيم ، تغير في حال البشرية وموازين القوى ، انتشار القحط والهرج ، خروج المهدي ، نزول الخلافة بيت المقدس ، تزلزل الأرض واضطرابها ويعزز ما ذكرت هذا الشاهد عن أي سعيد الخدري t قال : قال رسول الله r : } أُبَشِّرُكُمْ بِالْمَهْدِىِّ يُبْعَثُ فِي أُمَّتِي عَلَى اخْتِلَافٍ مِنَ النَّاسِ وَزَلَازِلَ فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا . { ([5])
فهذا الأثر يعزز ما ذكرت في الربط بين الزلازل وبين خروج المهدي ، ويكون المراد بنزول الخلافة بيت المقدس في سنوات الزلازل ما يكون في عهده t ، أما الاختلاف بين الناس فله علاقة بعلامة الهرج السابق بيانها والتي يشتد أوارها عند حسر الفرات .
العلامة الرابعة : تقارب الزمان .
/ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : } لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ فَتَكُونَ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ وَيَكُونَ الشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ وَتَكُونَ الْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ وَيَكُونَ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ وَتَكُونَ السَّاعَةُ كَاحْتِرَاقِ السَّعَفَةِ الْخُوصَةُ . { ([6])
هذه العلامة سبق شرحها ، وخلصت هناك إلى نتيجة ، وهي أن تقارب الزمان على حقيقته ، وليس مجازياً (_ ) ، مما يشير إشارة صريحة إلى أن هناك اضطراباً ملحوظاً سيطرأ على حركة الكرة الأرضية ، ويسرع فيها حالة الدوران .
و وفق مستجدات العلم يمكن تصور ذلك في حال اضطراب حركة الأرض حول نفسها وحول الشمس ، وهذا الاضطراب غير متزن أي لا يكون على نسق واحد ، فتسرع الأرض في دورانها حول نفسها ، وتسرع أيضا في دورانها حول الشمس ، فبدلاً من أن تدور الكرة الأرضية حول الشمس ،مرة كل اثنا عشر شهراً ، تقضي هذه المسافة في شهر واحد .
وفي ظني أن النبي r ذكر هذه النسب للتقريب وليس للتحديد ؛ أي أراد النبي r أن يبين للصحابة تغير النسب الزمنية للوقت ، فجاء بمثال يقرب المعنى ، حيث قـال
السنة كالشهر والشهر كالأسبوع ..إلخ
وإذا ربطنا هذه العلامة بما يقع في زمن الدجال ؛حيث يكون يومه الأول كسنة ويومه الثاني كشهر أصبح عندنا تصور إلى أن آخر مراحل اضطراب الكرة الأرضية يكون في عهد الدجال ؛ أي أن الكرة الأرضية في بادئ الأمر ونتيجة لأمر كوني تسرع في دورانها حول نفسها وفي دورانها حول الشمس ، ثم تأخذ بالبطء في دورانها حول نفسها ، فتكمل دورتها الأولى في سنة كاملة (__) ، و دورتها الثانية في شهر ، ثم تبدأ في العودة التدريجية لوضعها الطبيعي ، وتبدأ بالاتزان .
علاقة تقارب الزمان بالحدث الكوني .
الحقيقة أنه ليست لدي قرائن قوية تبرز طبيعة المرحلة الزمنية لهذه العلامة ؛ إلا أن هناك قرائن محتملة تعزز من ارتباط هذه العلامة بحقبة الحدث الكوني ، لعل أهم هذه القرائن هي طبيعة هذه العلامة ؛ حيث إن لها علاقة بتغير جوهري بحركة الأرض ، وهذا لا يتصور إلا إذا كان هناك حدث عظيم جوهري أثر فيها .
والقرينة الثانية هي أن هذه العلامة تشير إلى تقارب الزمان ، وفي مرحلة الدجال أشار النبي r على تباعد الزمان ، وتضمن الحديث الخاص بذلك عن الدجال على قرائن تؤكد على أن تباعد الزمان على حقيقته ، والمعلوم أن آية الدخان وآية الدجال من الآيات العشر والعلامات العظام ، وقد سبق بيان التلازم بينهما ؛ حيث وصلت إلى نتيجة وهي أن الدجال يكون بعد آية الدخان ، والمعلوم أن أول مرحلة الدجال تتميز بتباعد الزمان مما يشير إلى أن هناك اضطراباً في حركة الأرض ، وهذا يعزز أن يكون قبل خروج الدجال تقارب الزمان لنفس السبب الذي أثر على حركة الأرض .
العلامة الخامسة : حسر الفرات عن جبل من ذهب :
/ - عن الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ قَالَ : كُنْتُ وَاقِفًا مَعَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَقَالَ : لَا يَزَالُ النَّاسُ مُخْتَلِفَةً أَعْنَاقُهُمْ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا قُلْتُ : أَجَلْ ! قَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ : } يُوشِكُ الْفُرَاتُ أَنْ يَحْسِرَ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ ، فَإِذَا سَمِعَ بِهِ النَّاسُ سَارُوا إِلَيْهِ فَيَقُولُ مَنْ عِنْدَهُ : لَئِنْ تَرَكْنَا النَّاسَ يَأْخُذُونَ مِنْهُ لَيُذْهَبَنَّ بِهِ كُلِّهِ . قَالَ : فَيَقْتَتِلُونَ عَلَيْهِ فَيُقْتَلُ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ .{([7])
/ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ : } لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسِرَ الْفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ يَقْتَتِلُ النَّاسُ عَلَيْهِ فَيُقْتَلُ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ وَيَقُولُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ لَعَلِّي أَكُونُ أَنَا الَّذِي أَنْجُو{ ([8])
/ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ : } يُوشِكُ الْفُرَاتُ أَنْ يَحْسِرَ عَنْ كَنْزٍ مِنْ ذَهَبٍ فَمَنْ حَضَرَهُ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا { ([9])
شرح :
أولاً : المعنى العام المتبادر لحسر الفرات :
- الفرات نهر معروف في العراق ، وهذا النهر له نصيب في علامة من العلامات الهامة للساعة ، وكما بين الحديث أن الفرات سينحسر ماؤه ، و الحسر في أصل اللغة الانكشاف ، وإذا استخدم مع الماء أو البحر يراد به أن الماء نضب حتى بدا ما تحته من الأرض . ([10])
أما كلمة جبل فهي في لغة العرب اسم لكل وتد من أوتاد الأرض عظم وطال
من الأعلام أما ما صغر وانفرد فهو من الأكم والقور . ([11])
يُفهم من معنى كلمتي الحسر والجبل وفق السياق أمران :
الأمر الأول :
الفرات ، هذا النهر العظيم سينضب ماؤه بصورة غير معهودة لدرجة أن الطين يبدو في قاعه (_ ) ، أو يكاد أن يبدو فيظهر للناس بعد انكشاف الماء كنز كبير جداً من الذهب وصفه النبي r بالجبل من باب الكناية الدالة على كثرته ، ومن معاني مادة جبل الكثرة ، وبالتالي تكون لفظة جبل هنا من باب المعنى المجازي ،ولا يراد بها جبل حقيقي يبرز له قمة وارتفاع على وجه الأرض .
الأمر الثاني :
يراد بالحسر هنا المعنى الأصلي وهو الانكشاف ، وليس نضوب الماء ، بل الذي يحصل هو تحرك في طبقات الأرض يترتب عليها بروز جبل عظيم من الذهب في وسط ماء الفرات ، وهذا الوجه من الفهم يتفق والمعنى الحقيقي لكلمة الحسر والجبل .
وكلا المعنيين السابقين يحتمله سياق الحديث ، ولكل قرائن دالة عليه .
ثانياً : آراء المعاصرين في حسر الفرات.
اختلفت تصورات المحدثين في المراد بالجبل والمقصود بالحسر ، أبينها في التالي :
1- المراد بجبل الذهب البترول :
يرى بعض المعاصرين أن جبل الذهب يراد به البترول ، ومقصود الحديث وفق تصورهم أن الفرات يكشف عن بحيرة عظيمة من البترول ، وهذا احتمال بعيد جداً
للأسباب التالية :
أ- لفظة جبل الدالة على كنز الفرات لا يتناسب استخدامها للدلالة على مادة سائلة كالبترول حتى من الناحية المجازية ، والأولى منها كلمة بحر ، أو بحيرة .
ب- سياق الحديث الذي استخدم لفظة الانحسار للنهر تشير إلى أن هناك علاقة بين
نضوب الماء وانكشاف جبل الذهب ، وهذا السياق لا يتناسب وطبيعة اكتشاف البترول الذي يمكن معرفته والتنقيب عنه في أعماق البحار ، فلا تحتاج معرفته واكتشافه نضوب الماء وانحساره .
ت- الواقع يشهد لضعف هذا الاحتمال ، فسياق الحديث يشير إلى كنز عظيم يتبدى في نهر الفرات يقتتل عليه الناس مما يعزز خصوصية هذا الكنز في هذا المكان من ناحية ، ومن ناحية أخرى دلالة السياق تشير إلى عدم وجود كنوز شبيهة به في أماكن أخرى وإلا لما اجتمع الناس عليه بخصوصه ، أما البترول فقد تم اكتشافه في أماكن عدة وبكميات كبيرة في الجزيرة العربية والعراق ، وبالتالي اكتشافه في نهر الفرات لا يعطيه خصوصية مميزة مهيجة للاقتتال عليه .
ث- دلائل السياق تشير إلى مرحلة مغايرة لما نحن عليه الآن ، فعصرنا تنوعت فيه الكنوز وأهمها البترول الذي يكنى بالذهب الأسود ؛ لذا وجود جبل من ذهب مهما كان حجمه في عصرنا لا يعتبر اكتشافاً مميزاً ، فاكتشافه أشبه بعصرنا باكتشاف حقل بترول في موضع ما ؛ لذا أتصور أن مرحلة ظهور جبل الذهب سيكون في مرحلة يعز فيها الذهب ، ويقل المال ؛ بحيث يكون ظهوره مهيجاً لمقتلة عظيمة بين الناس ، ولعله يكون في مرحلة شدة وقحط ونضوب في الخيرات .
ج- سياق الحديث يشير إلى أن كل واحد يستطيع أن يأخذ منه ، وذلك في قول الرسول r : » فَمَنْ حَضَرَهُ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا « فكل فرد يحضر عند هذا الكنز يستطيع أن يأخذ منه ، وهذا متصور في الذهب الحقيقي ، أما في البترول فالأمر صعب إذ إخراجه بما يحقق الانتفاع منه يحتاج إلى دول وشركات ضخمة ، وهذه قرينة قوية صارفة .
2- المقصود بحسر الفرات :
يحاول بعض المعاصرين إسقاط هذا الحديث على عصرنا مبيناً أن انحسار الفرات قد بدأ في عصرنا من خلال بناء السدود عليه في تركيا مما يقلل وصول الماء في مجراه في العراق ، ويظن أن الأمر إن زاد عما هو عليه فسيترتب عليه انحسار الفرات . ([12])
وفي ظني أن هذا تعسف في حمل الحديث على غير محمله ، فالسدود لن تمنع الماء بالكلية ، وإن كانت تقلل منه ، ودلالة سياق الحديث تشير إلى نضوب ملحوظ في نهر الفرات لدرجة أن الطين ينكشف من تحت الماء ، وهذا غير ملاحظ في زماننا ، وغير متصور بفعل السدود في المستقبل القريب .
ثالثاً : تصور الباحث للمراد بحسر الفرات وطبيعة جبل الذهب وزمانه .
في ظني أن حسر الفرات يكون في مرحلة لاحقة تغيب فيها العقول ويكثر الهرج ، وينتشر القحط ويقل المطر ، وهي نفس المرحلة التي سبق الحديث عنها بعد آية الدخان مباشرة ، وقبل خروج المهدي والدجال بعده ، فالمعلوم أن من علامات خروج الدجال كما بينت الأحاديث السابقة نزف الأنهار أي نضوب مائها ، فهذه المرحلة تتناسب مع مسألة حسر الفرات ، فإذا كانت الأنهار على وجه العموم قد نضب ماؤها ، فكذلك الفرات ، ولكنه يتميز عن غيره بأنه لحظة انحساره يكشف عن جبل من ذهب .
ويحتمل الأمر أيضاً كما بينت سابقاً بأنه تضطرب الصفائح الأرضية وتحصل إنكسارات فيها بعد سقوط الكسف فهي سنوات الزلازل وسنوات تزول فيها جبال عن مراتبها ، فيكون من نتائج ذلك بروز جبل حقيقي في ماء الفرات ، ويكون هذا الجبل من الذهب ، ويحتمل أن تتوافق هذه الانكسارات مع نضوب الماء ، والأمر كله بيد الله سبحانه وتعالى يصرفه كيفما يشاء
والاحتمال الأخير وارد جدا ، وبروزه بهذا الشكل على وجه الماء يكون أكثر تهييجاً للمقتلة العظيمة التي تحصل عنده .
ما علاقة حسر الفرات بالحدث الكوني ؟
قد يتساءل البعض قائلاً : أليس من التعسف هنا ربط حسر الفرات بآية الدخان ونزول كسف من السماء ، خاصة أنه لم يرد في سياق الأحاديث الدالة على حسر الفرات أي قرينة تربط بين الأمرين ، فما هو مستندك في الربط بين الأمرين ؟
نعم هذا تساؤل قد يطرح ، وله وجاهته ، لكن طرحه متصور إذا نُظر إلى حسر الفرات كعلامة جزئية بمعزل عن باقي العلامات ، أما إذا نُظر إلى مجموع الأدلة وسياقها ، فقد تظهر لنا قرائن عدة تعزز الربط بين كل هذه الأحداث ؛ لذا أرى أن أسوق هنا بعض القرائن المعززة لما ذكرت ، وهي لا ترتقي بعملية الربط لدرجة الجزم بها ، إنما تدخل المسألة في حيز الاحتمال الراجح في ظني .
القرينة الأولى :
من نظر إلى سياق الحديث يجد أنه لا يصدق على عصرنا ، وليس قريباً من معطيات العصر وأنظمته ، فسياق الحديث يشير إلى ظهور جبل من ذهب يقتتل عليه الناس ؛ أي ظهوره ليس في عهد الدول التي نعيشها ، بل في مرحلة فوضوية ، يملك فيها كل إنسان أن يأتي الجبل ويأخذ منه ، أما في عرف الدول الحالية فإن اكتشاف أي كنز أو معدن يترتب عليه تأميم الدولة لهذا الكنز وحراسته ، واستخراجه ، والوضع الطبيعي في عرف الدول عند اكتشاف أي معدن أن عيون الناس لا تطمع حتى في التفكير به ، وهذا أمر معلوم .
وهذا العرف الدولي المعاصر لا يتناسب وسياق الحديث الذي يشير إلى مرحلة فوضوية ، يتصور فيها كل إنسان أنه يملك أن ينفرد بهذا الكنز ، أو ينال منه النصيب الأكبر ، وهذه القرينة معززة لكون حسر الفرات لن يكون في ظل الأعراف الدولية المعاصرة ، بل ستكون هناك حالة استثنائية فوضوية تمر بها البلاد على وجه العموم .
القرينة الثانية :
حسر الفرات بهذا الشكل الذي يشير إليه الحديث لم يعهد في الفرات على مر الدهور ، فهو نهر أصيل جاري طول العام ، وماؤه في الغالب غزير ، و الحديث يشير إلى نضوبه ؛ إذا لا بد من تغير مناخي جوهري يؤثر به ، ولاحظنا خلال البحث أن هناك قرائن عدة تربط بين ثلاثة أمور وهي القحط وآية الدخان وخروج الدجال ، وهذه المرحلة من القحط مناسبة لوقوع هذا النزف أو النضوب في ماء الفرات ، وتتفق مع المرحلة الفوضوية الممهدة لخروج الدجال .
القرينة الثالثة :
جاء في حديث أبي هريرة السابق و المتفق عليه أن الفرات يحسر عن كنز بدل جبل ، وورد في رواية عن ابن ماجة الربط بين الاقتتال على كنز وبين خروج المهدي ، فعن ثوبان t قال : قال رسول الله r : } يَقْتَتِلُ عِنْدَ كَنْزِكُمْ ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمُ ابْنُ خَلِيفَةٍ ثُمَّ لَا يَصِيرُ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، ثُمَّ تَطْلُعُ الرَّايَاتُ السُّودُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ فَيَقْتُلُونَكُمْ قَتْلًا لَمْ يُقْتَلْهُ قَوْمٌ ، ثُمَّ ذَكَرَ شَيْئًا لَا أَحْفَظُهُ فَقَالَ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَبَايِعُوهُ وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الثَّلْجِ فَإِنَّهُ خَلِيفَةُ اللَّهِ الْمَهْدِيُّ . { ([13])
فسياق الحديث السابق يشير إلى أن الاقتتال على كنز ما ممهد لخروج المهدي ، وقد جاء التعبير النبوي بصيغة الإضافة الدالة على العهد » كنزكم « ؛ أي هذا الكنز المعهود لديكم والذي سبق إخباركم عنه .
وخلال تتبعي لعلامات الساعة لم أجد تصريحاً نبوياً عن كنز يقتتل عليه إلا كنز الفرات ، أمـا كنز الكعـبة فالذي يستخرجه هو ذو السويقتين الحبشي الذي يهدم الكعبة .
يفهم مما سبق أن الاحتمال قوي في كون الكنز المشار إليه هو كنز الفرات نفسه ، وإذا كان كذلك فيمكننا اعتبار الحديث قرينة قوية في تحديد زمن حسر الفرات
وهو عند ظهور المهدي ، والذي يكون أيضاً قبل خروج الدجال .
وقد أشار ابن حجر إلى هذا الاحتمال بعد ذكره للحديث حيث قال : » فهذا إن كان المراد بالكنز فيه – أي في حديث ابن ماجة – هو الكنز الذي في حديث الباب - أي كنز الفرات - دل عـلى أنه إنما يقـع عنـد ظهور المهدي ، وذلك قبل نزول عيسى r. « ([14])
القرينة الرابعة :
/ - عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ t قال : } كُنَّا قُعُودًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ r فَذَكَرَ الْفِتَنَ فَأَكْثَرَ فِي ذِكْرِهَا حَتَّى ذَكَرَ فِتْنَةَ الْأَحْلَاسِ ، فَقَالَ قَائِلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا فِتْنَةُ الْأَحْلَاسِ ؟ قَالَ : هِيَ هَرَبٌ وَحَرْبٌ ثُمَّ فِتْنَةُ السَّرَّاءِ دَخَنُهَا مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي ، يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنِّي ، وَلَيْسَ مِنِّي وَإِنَّمَا أَوْلِيَائِي الْمُتَّقُونَ . ثُمَّ يَصْطَلِحُ النَّاسُ عَلَى رَجُلٍ كَوَرِكٍ عَلَى ضِلَعٍ ، ثُمَّ فِتْنَةُ الدُّهَيْمَاءِ لَا تَدَعُ أَحَدًا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا لَطَمَتْهُ لَطْمَةً ، فَإِذَا قِيلَ انْقَضَتْ تَمَادَتْ ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ إِلَى فُسْطَاطَيْنِ فُسْطَاطِ إِيمَانٍ لَا نِفَاقَ فِيهِ وَفُسْطَاطِ نِفَاقٍ لَا إِيمَانَ فِيهِ فَإِذَا كَانَ ذَاكُمْ فَانْتَظِرُوا الدَّجَّالَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ مِنْ غَدِهِ . { ([15])
هذا الحديث فيه إشارة إلى ثلاث فتن عظام تحل بالأمة ، وهي فتنة الأحلاس وفتنة السراء ، وفتنة الدهيماء ، والحديث صريح بأن فتنة الدهيماء هي أقرب الفتن من الدجال وموطئة لخروجه ، فإذا أضفنا لهن الفتنة التي تموج موج البحر ، وهي من الفتن العظام ، أصبح لدينا أربع فتن عظام تصيب الأمة الإسلامية ، وورد عن حذيفة t الإشارة إلى الفتن الأربع بقوله : » وليكونن فيكم أيتها الأمة أربع فتن الرقطاء والمظلمة ، وفلانة وفلانة ، ولتسلمنكم الرابعة إلى الدجال . « ([16])
والذي يعنينا هنا الفتنة الرابعة وهي الدهيماء التي تكون بين يدي الدجال ، ففي هذه الفتنة أو في آخرها يقع حسر الفرات ، فقد ورد عن أبي هريرة أنه قال : » تدوم الفتنة الرابعة اثنا عشر عاماً ، وتنجلي حين تنجلي ، وقد انحسر الفرات عن جبل من ذهب . « ([17])
وفي أثر آخر عن حذيفة t قال : » الفتن ثلاث تسوقهم الرابعة إلى الدجال التي ترمي بالرضف والتي ترمي بالنشف .« ([18])
هذه بعض الآثار الواردة عن الصحابة وفي أثر أبي هريرة ربط بين حسر الفرات و آخر الفتنة الرابعة الممهدة للدجال ، أما في أثر حذيفة فقد جاء التصريح بأن الفتنة الرابعة تتميز بأنها ترمي بالرضف ، والرضف الحجارة التي حميت بالشمس ، أو الحجارة المحماة على النار ، أو هي الحجارة التي يوقد عليها حتى تصير لهباً ([19])
أما النشف فهي حجارة سود كأنها أحرقت بالنار ([20]) ، ويفهم من ذلك أن الفتنة الرابعة يكون فيها رمي أو قذف حجارة ملتهبة كبيرة ، أو سوداء محترقة صغيرة
(_ ) ، وفي نهايتها يكون حسر الفرات .
يتحصل لنا من مجموع الآثار والأحاديث أن الفتنة الرابعة ، وهي الدهيماء يكون خلالها رمي بالحجارة من السماء ، وفي نهايتها يكون حسر الفرات الذي يعقبه خروج المهدي مباشرة ، ثم بعد ذلك يكون خروج الدجال .
ومن خلال القرائن الأربعة السابقة يتضح لنا وجه الربط بين حسر الفرات ، والحدث الكوني الذي يعصف بالكرة الأرضية ، يكفي القول بأن هذه القرائن كلها تعزز قولنا بأن حسر الفرات يكون في نفس المرحلة الزمنية التي يتصور فيها نزول الكسف وآية الدخان وخروج المهدي والدجال بعده .
العلامة السادسة : الخسوف العظمى .
/ - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ t قَالَ: اطَّلَعَ النَّبِيُّ r عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ ، فَقَالَ : مَا تَذَاكَرُونَ قَالُوا : نَذْكُرُ السَّاعَةَ قَالَ : } إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ فَذَكَرَ الدُّخَانَ وَالدَّجَّالَ وَالدَّابَّةَ وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ r وَيَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ . { ([21])
/ - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ t قَالَ: اطَّلَعَ النَّبِيُّ r عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ ، فَقَالَ : مَا تَذَاكَرُونَ قَالُوا : نَذْكُرُ السَّاعَةَ قَالَ : } إِنَّ السَّاعَةَ لَا تَكُونُ حَتَّى تَكُونَ عَشْرُ آيَاتٍ خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ وَخَسْفٌ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَالدُّخَانُ وَالدَّجَّالُ وَدَابَّةُ الْأَرْضِ وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قُعْرَةِ عَدَنٍ تَرْحَلُ النَّاسَ { ([22])
/- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صُحَارٍ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : } لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُخْسَفَ بِقَبَائِلَ فَيُقَالُ مَنْ بَقِيَ مِنْ بَنِي فُلَانٍ . { قَالَ فَعَرَفْتُ حِينَ قَالَ قَبَائِلَ أَنَّهَا الْعَرَبُ لِأَنَّ الْعَجَمَ تُنْسَبُ إِلَى قُرَاهَا ) ([23])
/ - عن عَائِشَةُ رَضِي اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : } يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ قَالَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ . { ([24])
/ -عن عَائِشَةُ رَضِي اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : } عَبَثَ رَسُولُ اللَّهِ r فِي مَنَامِهِ فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ صَنَعْتَ شَيْئًا فِي مَنَامِكَ لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ ! فَقَالَ : الْعَجَبُ إِنَّ نَاسًا مِنْ أُمَّتِي يَؤُمُّونَ بِالْبَيْتِ بِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ لَجَأَ بِالْبَيْتِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ خُسِفَ بِهِمْ فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الطَّرِيقَ قَدْ يَجْمَعُ النَّاسَ قَالَ نَعَمْ فِيهِمُ الْمُسْتَبْصِرُ وَالْمَجْبُورُ وَابْنُ السَّبِيلِ يَهْلِكُونَ مَهْلَكًا وَاحِدًا وَيَصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ{ ([25])
شرح :
- الحديث الأول والثاني يشيران إلى ثلاثة خسوف عظيمة إحداها بالمشرق والآخر بالمغرب والثالث بجزيرة العرب ، في الرواية الأولى جاء ذكر الخسوف في آخر العلامات وفي الرواية الثانية جاء ذكر الخسوف أول العلامات مما يشير إلى أنها لم تذكر على سبيل الترتيب كما بينت سابقاً .
- تعتبر الخسوف الثلاثة من الآيات العظام ؛ أي لا يراد بها ما نراه من زلازل معهودة تقع هنا أو هناك ، بل يراد بها أحداثاً عظاما جوهرية تؤثر على جوهر الصراع في الأرض ، وإلا لما حسن ذكرها هنا في العلامات الكبرى ، بل لفظة آية تشير إلى أن
هذه الخسوف ستكون من باب الأمور غير المعهودة أو المتوقعة .
- وبالرغم من تسليمنا من أن تلك العلامات ليست مذكورة في الحديث على سبيل الترتيب ، إلا أن الخسوف الثلاثة هنا في أغلب الظن مرتبة ترتيباً زمنياً لأنها تمثل علامة واحدة ، فيكون الخسف الأول بالمشرق ثم يعقبه خسف في المغرب ثم يكون خسف الجزيرة العربية .
- جاء في أحاديث أخرى وصفٌ لخسف عظيم يلحق بجيش يغزو الكعبة ، ودلائل السياق تشير إلى أن هذا الجيش الذي يخسف به هو الجيش الذي يقصد قتال المهدي عندما يلوذ بالكعبة ، ويكون مبعثه من الشام ، فيقع به الخسف العظيم ، و يعتبر هذا الخسف من علامات المهدي الجلية ، والراجح في ظني أن الخسف الذي في جزيرة العرب في عهد المهدي t هو الخسف الثالث في الآيات العظام ، وهذا احتمال قوي .
- وفق هذا الاحتمال الذي أرجحه يكون عندنا تصور للمرحلة الزمنية التي يكون فيها الخسف الثالث والأخير وهي مرحلة خروج المهدي ، وقبل خروج الدجال ، وإذا اعتبرنا كما دللت سابقاً أن آية الدخان قبل الدجال وموطئة له وعلامة من علامات قرب خروجه ، إذا يحتمل الأمر أن يكون الخسفان الآخران إما قبل آية الدخان ، أو بعدها ؛ بحيث يكونا أثراً من آثار آية الدخان التي سبق الربط بينها وبين نزول كسف من السماء ، واستأنس لما ذكرت بما ورد عن كعب أنه قال : » .. والنجم الذي يرمي به شهاب ينقض من السماء ، معها صوت شديد حتى يقع في المشرق ، ويصيب الناس منه بلاء شديد . ([26])
فالأثر الوارد عن كعب يربط بين صوت شديد وسقوط كسف من السماء في المشرق ، وما يترتب على ذلك من بلاء شديد،ولعل الخسف المشرقي مترتب على سقوط هذا الكسف .
العلامة السابعة : خروج أهل المدينة .
/- عَنْ أَبِي ذَرٍّ t قَالَ : أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r فَنَزَلْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ فَتَعَجَّلَتْ رِجَالٌ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبَاتَ رَسُولُ اللَّهِ r وَبِتْنَا مَعَهُ فَلَمَّا أَصْبَحَ سَأَلَ عَنْهُمْ فَقِيلَ تَعَجَّلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ : } تَعَجَّلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَالنِّسَاءِ أَمَا إِنَّهُمْ سَيَدَعُونَهَا أَحْسَنَ مَا كَانَتْ ثُمَّ قَالَ : لَيْتَ شِعْرِي مَتَى تَخْرُجُ نَارٌ مِنَ الْيَمَنِ مِنْ جَبَلِ الْوِرَاقِ تُضِيءُ مِنْهَا أَعْنَاقُ الْإِبِلِ بُرُوكًا بِبُصْرَى كَضَوْءِ النَّهَارِ . { ([27])
/ - عن أَبي هُرَيْرَةَ t قَالَ : قال : رَسُولُ اللَّهِ r لِلْمَدِينَةِ : } لَتَتْرُكَنَّهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ مُذَلَّلَةً لِلْعَوَافِي يَعْنِي السِّبَاعَ وَالطَّيْرَ . { ([28])
/ - عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r} عُمْرَانُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَرَابُ يَثْرِبَ وَخَرَابُ يَثْرِبَ خُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ وَخُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ فَتْحُ قُسْطَنْطِينِيَّةَ وَفَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ خُرُوجُ الدَّجَّالِ ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى فَخِذِ الَّذِي حَدَّثَهُ أَوْ مَنْكِبِهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ هَذَا لَحَقٌّ كَمَا أَنَّكَ هَاهُنَا أَوْ كَمَا أَنَّكَ قَاعِدٌ يَعْنِي مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ . { ([29])
/ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قال: } لَتُتْرَكَنَّ الْمَدِينَةُ عَلَى أَحْسَنِ مَا كَانَتْ حَتَّى يَدْخُلَ الْكَلْبُ أَوِ الذِّئْبُ فَيُغَذِّي عَلَى بَعْضِ سَوَارِي الْمَسْجِدِ أَوْ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! فَلِمَنْ تَكُونُ الثِّمَارُ ذَلِكَ الزَّمَانَ ؟ قَالَ : لِلْعَوَافِي الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ . { ([30])
/ - عَنْ حُذَيْفَةَ t أَنَّهُ قَالَ : « أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ r بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ ، فَمَا مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا قَدْ سَأَلْتُهُ ، إِلَّا أَنِّي لَمْ أَسْأَلْهُ مَا يُخْرِجُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ مِنْ الْمَدِينَةِ . » ([31])
شرح :
- هذه الأحاديث الخمسة تتحدث عن خراب المدينة ، وهناك أحاديث أخرى تتحدث عن مثل هذا الخراب سيأتي الحديث عنها في موضع مستقل ، والذي وصلت له بعد البحث أن ترك المدينة إنما يقع عدة مرات ، وليس مرة واحدة ، وهذه الأحاديث تشير إلى أحد هذه الخرجات .
- الشاهد في الأحاديث السابقة أن أهل المدينة سيتركون المدينة وهي أينع ما تكون ، وهذا الترك لا بد أن يكون وراءه سبب قاهر ، وقد جاء في بعض روايات الأحاديث عن أبي هريرة أن الذي يخرج أهل المدينة أمراء السوء ، وهذا التوضيح إنما هو لأحد الخرجات ، وقد حصل مثله في عهد يزيد في وقعة الحرة .
- في حديث معاذ بن جبل t جاء الربط بين أمرين وهما : أن خراب المدينة له علاقة زمنية بعمران بيت المقدس ، وعمران بيت المقدس كما يدل عليه سياق الحديث يراد به نزول الخلافة في عهد المهدي t ، لارتباط العمران بخروج الملحمة ، وهذا يكون في آخر الزمان .
- في حديث أبي ذر إشارة إلى أن خروج أهل المدينة ناجم عن خروج نار عظيمة من جبل الوراق باليمن تضيء أعناق الإبل في الشام ، وذلك كناية عن عظم هذه النار .
- حديث حذيفة الأخير فيه دلالة على أن هذا الخروج لا يراد به ما يقع عند فناء الدنيا ، إنما هو حدث مستقل يطرأ على المدينة المنورة .
محصلة الأحاديث السابقة :
- خروج أهل المدينة وهي أينع ما تكون ؛ ويكون الخروج شامل لكل أهلها ، لدرجة أن ما يبقى فيها من ثمار يكون من نصيب العوافي والسباع ، ويخلو المسجد النبوي من أهله فتسرح فيه الكلاب والذئاب وتبول حتى على المنبر ، وهذا لا يتصور إلا عند حصول ظرف قاهر يمنع أهل المدينة من البقاء فيها منعاً باتاً
- هذا الخروج يقع بعد نزول الخلافة بيت المقدس قبل الملحمة العظمى ، وبالتالي جاء تحديد وقت هذا الخروج ، فلا يراد به ما وقع على أيدي أمراء السوء كما حصل في وقعة الحرة (_ ) ولا يراد به ما يقع في اللحظات الأخيرة للدنيا عند الحشر كما صرحت الأحاديث لبعض الخرجات ، وحديث حذيفة الأخير قرينة واضحة في أن هذا الخروج لا يراد به الخروج النهائي عند فناء الدنيا . و إنما يراد به هنا تلك الخرجة التي تكون عند بداية نزول الخلافة ، وقبيل الملحمة العظمى ، والتي دل عليها حديث معاذ t ، وهذا التوقيت بالذات يجعلنا نربط بينه وبين الأحاديث التي ربطت بين نزول الخلافة بيت المقدس وسنوات الزلازل والأمور العظام ، وما يقع في المدينة هو أحد هذه الأمور العظام .
- جاء التصريح في أحد الآثار بخروج نار من جبل الوراق ، ودلائل السياق تشير إلى أن هناك علاقة بين خروج أهل المدينة وبين تلك الحمم التي يقذفها هذا الجبل ، أو غيره من الفوهات البركانية حول المدينة المنورة وجاءت الإشارة إلى عظم تلك الحمم لدرجة أن لهيبها يضيء ليل بادية الشام ، وهذه الثورة البركانية الهائلة بهذا الشكل غير معهودة حتى في الجبال البركانية النشطة ، فكيف بمنطقة بركانية خامدة كتلك القريبة من اليمن .
ملاحظة :
يشير الدكتور زغلول النجار أن المدينة المنورة محاطة بحوالي 700 فوهة بركانية سجلت ما لا يقل عن 300 هزة أرضية خلال سنة واحدة مما يؤكد أنها لا تزال نشطة ، وبالتالي لا بد لها أن تفور في يوم من الأيام ، وحتمية العلم تؤكد ذلك . ([32])
و الذي أشار إليه د زغلول يقرب لنا تصور ما ذكرت من احتمالية ثورة بركانية عاصفة تؤثر على كامل المدينة المنورة وتكون سبباً في نزوح أهلها عنها .
ما علاقة خروج أهل المدينة بالحدث الكوني ؟
قد يسأل سائل هنا : لو اقتنعنا بأن خروج أهل المدينة بسبب ثورة بركانية في جبل الوراق باليمن ، أو نتيجة ثورات بركانية حول المدينة المنورة ، فما وجه علاقته بنزول كسف من السماء ، أو بالحدث الكوني ؟
وهذا التساؤل يمكن الإجابة عليه ببساطة ، ومن تتبع مجموع الأحاديث في هذا المبحث والمرحلة الزمنية التي تنتمي إليه لعلم وجه العلاقة بينها جميعا .
ولكي يتضح الأمر أقول : هذه الثورة البركانية غير معهودة ، وزمانها له علاقة بسنوات الزلازل والبلايا العظام ، وقد تكون له علاقة بالتغيرات غير المعهودة التي تقع بالجزيرة العربية فتحولها إلى مروج وأنهار .
فمجموع تلك الأدلة تشير إلى تغير غير طبيعي في جيولوجيا الأرض ، ومناخها ، وهنا يطرح تساؤل : ما الذي سيصيب الأرض في تلك المرحلة بالذات ويجعلها مضطربة بهذا الشكل ؟
طبعاً الإجابة هي وقوع حدث غير معهود يؤثر على الكرة الأرضية بأجمعها ، ومن ضمنها الزلازل والبراكين ، ووقوع كسف على الأرض ، وما يترتب على ذلك من قوة تدميرية تفوق المئة ألف قنبلة نووية ، و قد يوقع مثل هذا التدمير اضطراباً في جوف الأرض ولابتها .
والرابط القوي أو القرينة القوية – في ظني – المعززة لهذا الفهم هو أن كل تلك الأحاديث المذكورة في هذا الباب تمثل نفس المرحلة الزمنية مما يوحي بأن هناك علاقة واحدة تربط بينها ، وخلاصة القول إن خروج أهل المدينة إن لم يكن له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالحدث الكوني كأحد نتائجه يكفي القول هنا أن الخروج يكون في نفس المرحلة الزمنية .
تساؤل آخر :
لقد ربطت في هذا المبحث بين مرحلة المهدي وبين الدخان وبين الدجال ، وجعلتها تمثل مرحلة واحدة متتالية ، الدخان ، ثم الخلافة المقدسة ، ثم الملحمة ثم الدجال ، وجاء الربط هنا بين خراب المدينة فيما بين نزول الخلافة بيت المقدس والملحمة العظمى ، أي أن خروج أهل المدينة قريب جداً من خروج الدجال ، والمعلوم أنه ثبت في أحاديث كثيرة أن الدجال عندما يخرج تكون المدينة عامرة بأهلها ، وهذا يتعارض مع ما ذكرت هنا من أن المدينة في تلك المرحلة تكون خالية من أهلها ، فكيف يمكن دفع التعارض بين الأمرين ، وكيف يمكن تصور خروج أهل المدينة منها ، وعمرانها بهم في نفس المرحلة الزمنية ؟
والإجابة على هذا الإشكال بسيطة ، وهي متعلقة في كيفية تعامل البشرية مع الأحداث الطبيعية من ناحية ، وطبيعة المدة الزمنية بين الملحمة وخروج الدجال .
فالمعلوم أنه عند ثوران بركان أو حدوث زلزال أو إعصار أو غيره فإن الناس ترحل عن مكان الحدث ما دام الخطر يتهدده ، فإذا زال الخطر رجعوا إلى مدنهم وقراهم ، وما سيقع للمدينة لا يتصور دوامه مدة طويلة جداً ، وأقصى حالاته سنة أو سنتان ، وذلك في حالة كون ثورة هذا البركان غير طبيعية .
وعلى هذا الاعتبار يمكن القول أن الأحاديث التي تشير إلى ترك المدينة يراد بها تلك المرحلة ، ثم بعد ذلك يعود أهلها إليها ، ودوافع العودة إليها قوية جداً لخصوصيتها الدينية .
و قد ثبت في أحاديث أخرى أن المدة بين الملحمة وخروج الدجال سبع سنوات ، وترك المدينة يكون قبل خروج الملحمة ، إذا هناك على الأقل ثمان سنوات بين الحدثين ، وهي مدة كافية لعمران المدينة من جديد .
كذلك يعزز ما ذكرت أن بعض الآثار جاءت صريحة في الربط بين الخروج من المدينة وبين فتنة الدجال مما يعزز كونها في مرحلة واحدة بحيث يكون الخروج أولاً لسبب قاهر ثم تكون فتنة الدجال ، ومن هذه الآثار ما ذكره محجن بن الأذرع أنَّ رَسُولَ اللَّهِ r أَخَذَ بِيَدِي فَصَعِدَ عَلَى أُحُدٍ فَأَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ } وَيْلُ أُمِّهَا قَرْيَةً يَدَعُهَا أَهْلُهَا خَيْرَ مَا تَكُونُ أَوْ كَأَخْيَرِ مَا تَكُونُ فَيَأْتِيهَا الدَّجَّالُ فَيَجِدُ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهَا مَلَكًا مُصْلِتًا جَنَاحَيْهِ فَلَا يَدْخُلُهَا { ([33])
فهذا الأثر يعتبر فيصلاً في المسألة وفيه ربط زمني واضح بين خروج أهل المدينة ، وبين حصار الدجال لها بعد ذلك .
([1]) أخرجه مسلم في الزكاة برقم 157 [ مسلم بشرح النووي ( 4/ 116) ]
(_ ) من نظر إلى سياق الحديث ومدلولات عباراته يعلم أن المراد به تحول كل الجزيرة العربية إلى مروج وأنهار ، فنص العبارة المذكورة « وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا » بجعل كلمة مروج تمييزاً لأرض العرب ، وهذا أسلوب يعرفه البلاغيون ، ولو كان المقصود به بعض المروج لكانت العبارة السابقة بشكل آخر ؛ أي لقال النبي r « تعود المروج والأنهار إلى جزيرة العرب » ولعل أقرب مثال توضيحي هو قول الله في حق زكريا : « واشتعل الرأس شيباً » فهذا التعبير يشير إلى أن الرأس كله تحول إلى الشيب ، وهي أبلغ في التعبير من القول « اشتعل شيب الرأس » التي تدل على حصول الشيب دون عمومه .
([2]) سبق تخريجه
([3]) سبق تخريجه
(_ ) قد يظن البعض أن لفظة موتان تشير إلى المثنى ؛ أي حدثين يتضمنان موت شديد ، وبعضهم أسقط الحديث على الحربين العالميتين ، وهذا وهم منه ، فالموتان مفرد وليس جمع ، وهي لفظة مرادفة لكلمة الموت ، فالموت والموتان من أسماء الوفاة ، يقول ابن منظور : الموت والموتان ضد الحياة [ لسان العرب ( 2/90) ] ولو كان يراد بهذه اللفظة الإشارة إلى موتتين لجاءت الصفة بعدها بصيغة المثنى [ موتان شديدان ] ومجيئها بصيغة المفرد يدل صراحة على أنه يراد به موت شديد ؛ أي حدث واحد وليس اثنين ، لكن يلاحظ أن لفظة الموتان تستخدم في الأغلب للدلالة على الحالات التي يكثر فيها عدد الموتى بشكل لافت .
([4]) سبق تخريجه
(_ ) المعلوم أن الجمع المعرف هو من صيغ العموم ، لكنها في أحوال مخصوصة تحتمل أن تكون من العام الذي يراد به الخصوص ؛ وأشعر هنا أنها محتملة لذلك ؛ لذا استخدمت هنا صيغة الاحتمال لا الجزم .
([5]) أخرجه الإمام أحمد برقم 11326 ، قال محققه : إسناده ضعيف [ المسند بتحقيق الأرناؤط ( 17/426) ] ؛ وكذلك أخرجه الإمام أبو عمرو المقري في سننه ، وذكر لفظة زلزال بدل زلازل ؛ و أخرجه الحافظ أبو نعيم في صفة المهدي [ انظر عقد الدرر ( 62) ] ؛ قال الهيثمي : رواه أحمد بأسانيد وأبو يعلى باختصار كثير ورجالهما ثقات [ مجمع الزوائد ( 7/610) ] ؛ قال الألباني : رجاله ثقات رجال مسلم غير العلاء بن بشير ، وهو مجهول كما في التقريب ، لكن قد توبع على بعضه عند الحاكم [ السلسلة الصحيحة ، شواهد حديث رقم 4001 ]
([6]) سبق تخريجه
(_ ) راجع الفصل الثاني من الباب الأول حيث فصلت هناك القول في هذه العلامة وذكرت كل الاحتمالات التي ذكرها العلماء في تصورهم لها ، وناقشت كل هذه الاحتمالات مبيناً القرائن الدالة على سبب ترجيحي لكون هذه العلامة على حقيقتها .
(__ ) قد يقول البعض أن اليوم كسنة ليس على حقيقته ؛ بل هو كناية عن شدة هذا اليوم ، وهذا التصور ضعيف لوجود شاهد في الحديث ، وهو استفسار الصحابة عن طبيعة العبادة في هذا اليوم ، فقال النبي r : اقدروا له قدره . مما يدل صراحة على أن الطول الزمني لهذا اليوم هو سنة حقيقية . وسيأتي تفصيل ذلك في الفصل الخاص عن الدجال .
([7])أخرجه مسلم برقم 2895 [ مسلم بشرح النووي ( 9/218) ]
([8]) أخرجه مسلم برقم 2894[ مسلم بشرح النووي (9/217 ) ]
([9]) أخرجه البخاري برقم 7119 [ البخاري مع الفتح ( 13/84) ] ومسلم برقم 2894 [ مسلم بشرح النووي ( 9/217 ) ]
([10]) ابن منظور : لسان العرب ( 4/188)
([11]) ابن منظور : لسان العرب ( 11/96)
(_ ) يشهد لهذا الفهم أثر أخرجه عبد الرازق فيه : عن القاسم بن عبد الرحمن قال : « شُكي إلى بن مسعود الفرات فقالوا : نخاف أن ينفتق علينا ، فلو أرسلت من يسكره فقال عبد الله : لا نسكره فو الله ليأتين على الناس زمان لو التمستم فيه ملء طست من ماء ما وجدتموه وليرجعن كل ماء إلى عنصره ويكون بقية الماء والمسلمين بالشام . » [ المصنف برقم 20779 ( 11/373) ] فهذا الأثر يشير إلى أن نضوب ماء الفرات سيكون حقيقياً لدرجة لا يجد أحدهم طست ماء فيه ، وهو يتحدث عن مرحلة نضوب للماء شامل للأرض ضمن تغير مناخي غير معهود .
([12]) انظر داود : كنز الفرات (145 وما بعدها ) ؛ جمال الدين : أشراط الساعة الصغرى ( 133) ؛ العريفي : نهاية العالم ( 1139) ؛
([13]) أخرجه ابن ماجة برقم 4084 [ السنن ( 2/1367) ] ، والحاكم [ المستدرك ( 4/463) ] ، وقال عنه ابن كثير : تفرد به ابن ماجة . وهذا إسناد قوي صحيح . وصححه البستوي في رسالته [ البستوي : المهدي المنتظر ( 192) ]
([14]) ابن حجر : فتح الباري ( 13/87)
([15]) سبق تخريجه
([16]) أخرجه نعيم برقم 103 [ الفتن ( 35) ] و ابن أبي شيبة في موضعين ( 7/496 ) ( 7/487)
([17]) أخرج هذا الأثر نعيم برقم 922 [ الفتن ( 233) ]
([18]) أخرجه ابن أبي شيبة برقم 37132 [ المصنف ( 7/450) ] والحاكم نحوه في الفتن برقم 8435 ، وقال عنه : صحيح على شرط الشيخين [ المستدرك ( 4/511) ] ؛ و نعيم برقم 90 [ الفتن (32) ] و والحديث إسناده صحيح [ هادي : صحيح مرويات حذيفة في الفتن ( 12) ]
([19]) ابن منظور : لسان العرب ( 9/121)
([20]) ابن منظور : لسان العرب ( 9/329)
(_ ) يحتمل الأثر المعنى المجازي ، فيراد بالنشف الفتن الصغار التي لا تؤثر على الإيمان كثيراً ، أما الرضف فيراد بها الفتن القاتلة المؤثرة على الإيمان .
([21]) سبق تخريجه
([22]) سبق تخريجه
([23]) أخرجه أحمد برقم 15965 ، قال محققه : إسناده ضعيف [ المسند بتحقيق الأرناؤط ( 25 /312) ؛ وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني برقم 1652 ( 3/151) ؛ والطبراني في الكبير برقم 7404 ( 8/73) ؛ وأبو يعلى برقم 6843 ، قال محققه : إسناده جيد ( 12/219) ؛ والحاكم برقم 8375 ، وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه [ المستدرك ( 4/444) ]
([24]) أخرجه البخاري برقم 2118 [ البخاري مع الفتح ( 4/397) ]
([25]) أخرجه مسلم برقم 2884 [ مسلم بشرح النووي ( 9/205) ]
([26]) أخرجه نعيم بن حماد برقم 621 ، وقال محققه إسناده حسن[ الفتن ( 152) ]
([27]) أخرجه أحمد برقم 21289 ، قال محققه : صحيح لغيره [ المسند بتحقيق الأرناؤط ( 35/216) ] ؛والحاكم برقم 8366 ، وقال صحيح الإسناد ، وأقره الذهبي [ المستدرك ( 4/489) ]
([28]) أخرجه مسلم برقم 1389 [ مسلم بشرح النووي ( 5/152) ]
([29]) أخرجه البخاري برقم 1874 [ البخاري مع الفتح ( 4/197) ] ؛ وأبو داود برقم 4296 واللفظ له ( 4/183) ]
([30]) أخرجه مالك في الموطأ برقم 1381 ، وقال ابن حجر : أخرجه معن بن عيسى في الموطأ عن مالك ، ورواه جماعة من الثقات خارج الموطأ [ فتح الباري ( 4/108) ]
([31]) أخرجه مسلم برقم 2891 [ مسلم بشرح النووي ( 9/214) ]
(_ ) هناك عدة قرائن في سياق الأحاديث تجعلنا لا نتصور خروج الناس بسبب أمراء السوء ، منها : أن الخراب يقع بعد عمران بيت المقدس بالخلافة ، وهذا يجعلنا نستبعد فكرة أمراء السوء في تلك المرحلة بالذات ، ومنها : إن طبيعة الوصف للترك الشامل لا يمكن تصور وقوعه على يد أمراء السوء ، ومهما كان ظلمهم ، فلن يصل لدرجة تخلو به بلد من كل أهلها بهذا الشكل ، بل على الأقل يبقى في البلد بعض الظلمة أو اللصوص لينتفعون من خيراتها وثمارها ، أما تركها بهذا الشكل للذئاب ، فلا بد أن يكون وراءه حدث طبيعي قاهر فوق قدرة البشر ألجأ جميع البشر للخروج منها ، وقد جاء التصريح في بعض الأحاديث بكون هذا الحدث هو الحمم التي تخرج من جبل الوراق وتقذف بها نحو المدينة وغيرها .
([32]) صحيفة دنيا الوطن الالكترونية بتاريخ 29 / 1/ 2005 م www.alwatanvoice.com
([33]) أخرجه أحمد برقم 18976 [ المسند بتحقيق الأرناؤط ( 31/313) ] ؛ قال الهيثمي : رواه أحمد ، ورجاله رجال الصحيح خلا رجاء بن حيوة وقد وثقه ابن حبان [ مجمع الزوائد ( 3/308) ] ؛ والحديث له طريق آخر عند الطبراني قال عنه الهيثمي : رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح [ مجمع الزوائد ( 3/309) ]
يتبببببببببببببع إن شاء الله .......... والباقي أكثر إثارة وعلم ومتعة وفهم



